مقالات

حين يهمس الألم

 

بقلم د. محمد جميل الشبشيرى

نمضي في دروب الحياة، وقلوبنا مغلفة بحجابٍ دافئ من العادة. نتنفس، نمشي، ونضحك، ونظن أن العافية حقٌ أبدي، وأن أجسادنا قلاعٌ منيعة لن تهتز. لكن، في لحظةٍ خاطفة، قد يطرق بابنا زائرٌ لم نتوقعه: الألم. وحينها فقط، عندما يتصدع جدار الألفة، يبدأ أعمق حوار بين الإنسان ونفسه. فالحياة، في جوهرها، ليست مجرد مسارٍ مستقيم نحو اللذة، بل هي رحلةٌ تفاعلية بين الألم والعافية، رحلةٌ تُصقل فيها الروح وتُكتشف معاني الوجود.

لقد لخص الفيلسوف جيريمي بينثام المأساة والملهاة الإنسانية حين قال: “لقد وضعت الطبيعة البشرية تحت سيادة سيدين: الألم واللذة”. هذه الرؤية، رغم صدقها المادي، تظل قاصرة عن لمس الأعماق. فالسعي لتجنب الألم ليس مجرد حسابات نفعية، بل هو صرخة الروح الفطرية نحو السكينة. وهنا، يأتي الوحي ليأخذ بأيدينا إلى ما هو أبعد من مجرد الحسابات. في مناجاة إبراهيم الخليل لربه، نجد اعترافاً يفيض تسليماً: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]. في هذه الآية، لا يُنسب المرض إلى الله، بل يُنظر إليه كحدثٍ عارض في رحلة الإنسان، بينما الشفاء هو الفعل الإلهي المباشر، هو لمسة الحنان التي تعقب وخزة الألم. المرض هنا ليس شراً مطلقاً، بل هو تلك اللحظة التي تنكسر فيها غطرسة “الأنا”، لندرك أننا لسنا مصدر قوتنا، وأن هناك يداً رحيمة نلجأ إليها.

كيف يمكن لعينٍ لم تعرف الظلام أن تفهم معنى النور؟ وكيف لقلبٍ لم يذق مرارة الفقد أن يستشعر حلاوة الوصال؟ إن العافية هي تلك النعمة الصامتة التي لا نسمع صوتها إلا حين تغيب. كما أشار الحديث النبوي الشريف بكلماتٍ موجزة ومعجزة: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [البخاري]. “الغبن” هنا ليس مجرد خسارة، بل هو بيعٌ لشيء ثمين بثمنٍ بخس، وهو تماماً ما نفعله حين نبدد صحتنا في غفلة.

في مدرسة المرض، يصبح الألم هو المعلم الصامت الذي يلقي دروسه بلا كلمات: درسٌ في التواضع يهمس في أذنك: “انظر، هذا الجسد الذي تتباهى به، ما أهونه!”، ودرسٌ في الإنسانية يدفعنا لتطوير الطب كفعل رحمة، ودرسٌ في القرب يفتح لنا باباً خفياً للقاء الله، ففي الحديث القدسي الذي يهز الوجدان: «يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني… لو عدته لوجدتني عنده» [مسلم]. يا له من قرب! الله يضع نفسه في مكان عبده المريض، ليقول لنا: إن أقصر طريقٍ إليّ يمر عبر قلبٍ منكسر.

والألم ليس تجربة فردية منعزلة، بل هو موجة ترتطم بشواطئ المجتمع بأسره. فالعامل الذي أقعده المرض ليس مجرد رقم في سجل الغياب، بل هو حلقةٌ مفقودة في سلسلة الإنتاج، وأبٌ غاب عن مائدة أسرته، وحلمٌ توقف مؤقتاً. لقد علمتنا أزمة كوفيد-19 بقسوة أن صحة عامل في سوقٍ ناءٍ هي من صحة العالم بأسره. إن الاستثمار في الرعاية الصحية ليس تكلفة، بل هو أثمن استثمار في “رأس المال البشري”، هو حماية لمحرك الحضارة من الصدأ والتوقف.

في النهاية، ما هي العافية؟ إنها ليست مجرد غياب للمرض، بل هي القدرة على الرقص تحت المطر، هي الحكمة في تحويل الألم إلى وعي، والوجع إلى معنى. واللذة الحقيقية ليست في بناء جدرانٍ عازلة لنتجنب الألم، بل في اكتشاف أن الألم نفسه يمكن أن يكون نافذةً نطل منها على السماء. إنها دعوة للنظر إلى أصل تكويننا، كما يأمرنا القرآن: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: 5]. فلننظر إلى ضعفنا لنعرف قوته، وإلى فنائنا لنطلب بقاءه، وإلى ألمنا لنستشعر حلاوة شفائه.

اللهم اجعلنا من الشاكرين في عافيتك، الصابرين على بلائك، المستبصرين بحكمتك في كل أحوالنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى