الدكتورة خولة النوباني: أول امرأة تُعيَّن في مجمع الفقه الإسلامي الدولي

بقلم د . محمد جميل الشبيشيرى :

تجربة شخصية وإنجاز نوعي للمرأة المسلمة
في أحد أيام ديسمبر المعتدله من عام 2017، وتحديداً في الخامس منه، كان لي شرف التعرف على الدكتورة خولة النوبانيخلال ورشة عمل مهمة أقيمت في الكويت. كانت الورشة تحمل عنوان “إصدار وتداول الصكوك الحكومية والخاصة في دولة الكويت”، ونظمها مركز الكويت للاقتصاد الإسلامي تحت رعاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
جمعت الورشة نخبة متميزة من الخبراء والمتخصصين، قدموا من داخل الكويت وخارجها، ومثلوا مؤسسات عريقة مثل بنك الكويت المركزي، وإدارة الفتوى والتشريع، وجامعة الكويت. وسط هذا الحضور المميز، كان لي ولخولة جلسة علمية مشتركة قدمنا فيها محاضرة حول التحديات الشرعية والتطبيقية لإصدار الصكوك، خاصة في عالمنا العربي بكل تعقيداته وخصوصياته.
منذ اللحظات الأولى للقائنا، شدني أسلوبها العلمي الدقيق، وعمق تأصيلها الفقهي، وتلك القدرة الاستثنائية التي تمتلكها على الموازنة بين النصوص الشرعية الأصيلة والواقع المالي المعاصر بكل تحدياته. كانت تتحدث بثقة وعمق، تنسج خيوطاً متينة بين الماضي والحاضر، وتفتح آفاقاً للمستقبل.
شكلت تلك الورشة محطة فارقة في مسار الحوار الإقليمي حول أدوات التمويل الإسلامي، وخاصة الصكوك، التي باتت تمثل شرياناً حيوياً لتعزيز الميزانيات العامة وتحقيق التنمية المستدامة وفق مبادئ الشريعة السمحة. وقد تركت خولة بصمة لا تُمحى في ذاكرة الحاضرين، خصوصاً عندما سلطت الضوء على التجربة الأردنية في هيكلة الصكوك، وتناولت بعمق التحديات التنظيمية والشرعية التي تواجهها.
واليوم، وأنا أتابع خبر تعيينها كأول امرأة في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، تعود بي الذاكرة إلى تلك اللحظات المضيئة التي جمعتنا. أشعر بفخر عميق وأرى في هذا التعيين تتويجاً طبيعياً لمسيرة علمية رصينة، ودليلاً على نضج المؤسسات الفقهية في عالمنا الإسلامي، التي أصبحت تقدر الكفاءة والعلم متجاوزة الحواجز التقليدية التي طالما وقفت في وجه المرأة.
مجمع الفقه الإسلامي الدولي: مرجعية شرعية رائدة
يقف مجمع الفقه الإسلامي الدولي، التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، شامخاً بين المؤسسات الفقهية المعاصرة كصرح علمي رفيع. تأسس هذا المجمع ليكون منبراً جامعاً يلتقي فيه علماء الشريعة مع خبراء التخصصات المعاصرة، يتداولون في قضايا الأمة ويبحثون عن حلول لها في ضوء الشريعة الإسلامية الغراء.
يولي المجمع اهتماماً خاصاً بالمجالات الحيوية التي تمس حياة المسلمين اليومية، كالاقتصاد والطب والقانون والعلاقات الدولية. ويعمل بدأب على إصدار توصيات وقرارات فقهية تستند إلى اجتهاد جماعي متوازن، يجمع بين أصالة الفقه الإسلامي ومراعاة التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي يشهدها العالم الإسلامي في العصر الحديث.
بصمة أكاديمية ومهنية في الاقتصاد الإسلامي
لم تأت الدكتورة خولة النوباني إلى المشهد العلمي من فراغ، فهي باحثة متمرسة وممارسة ذات خبرة عميقة، قدمت إسهامات متعددة في تطوير أدوات التمويل الإسلامي، وخاصة في مجال الصكوك الإسلامية وحوكمة المؤسسات المالية.
تتنوع خبراتها المهنية بين الأكاديمية والاستشارية، فهي المدير العام والمؤسس لشركة أرفاق للاستشارات المالية والتدريب، المتخصصة في تنمية الكفاءات الشرعية والمالية. كما تشغل منصب الشريك المسؤول في شركة دراية للاستشارات المالية الإسلامية، وهي باحثة متخصصة في الاقتصاد الإسلامي، مع تركيز خاص على الصكوك الإسلامية داخل الأردن وخارجه.
مؤلفات علمية متميزة
أثرت الدكتورة خولة المكتبة الإسلامية المعاصرة بمجموعة قيمة من المؤلفات التي أصبحت مراجع أساسية للباحثين والممارسين في مجال التمويل الإسلامي. من بين هذه المؤلفات كتابها المتميز عن “خصوصية الحوكمة في المؤسسات المالية الإسلامية”، الذي يتناول بعمق الفروق الجوهرية بين حوكمة المؤسسات التقليدية والإسلامية.
كما قدمت دراسة مهمة حول “آليات ومتطلبات إصدار الصكوك الإسلامية في الأردن”، وكتاباً قيماً عن “المسؤولية الاجتماعية للمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية بين الواقع والمأمول”، إضافة إلى أبحاث معمقة في “هيكلة الصكوك بين الفقه والممارسة” و”الصكوك الإسلامية: الفرص والتحديات”.
تتميز مؤلفاتها بالجمع بين العمق النظري والبعد التطبيقي، مما يجعلها ذات قيمة مضافة حقيقية للعاملين في القطاع المالي الإسلامي، سواء على المستوى الأكاديمي أو المهني.
تمكين المرأة المؤهلة في الفقه والاجتهاد
يمثل انضمام الدكتورة خولة إلى عضوية مجمع الفقه الإسلامي الدولي تحولاً مؤسسياً نوعياً في تاريخ الفقه الإسلامي المعاصر. إنه يعكس بوضوح قدرة المرأة المسلمة المؤهلة علمياً على المساهمة الفاعلة في الاجتهاد الجماعي ومعالجة قضايا العصر بكل تعقيداتها.
هذا التعيين يحمل في طياته رسالة عميقة مفادها أن العلم والكفاءة هما المعيار الحقيقي للمشاركة في صناعة القرار الشرعي، وليس الجنس أو الخلفية الاجتماعية. إنه يفتح الباب واسعاً أمام جيل جديد من النساء المسلمات المتخصصات في العلوم الشرعية للمساهمة في تجديد الفكر الإسلامي وتطويره.
في الختام
إن تعيين الدكتورة خولة النوباني في مجمع الفقه الإسلامي الدولي ليس مجرد إنجاز شخصي تحققه امرأة متميزة، بل هو مكسب حقيقي للأمة الإسلامية جمعاء وللفكر الإسلامي المعاصر. إنه يمثل خطوة مهمة على طريق تنويع مصادر الاجتهاد وإثراء الحوار الفقهي بوجهات نظر متعددة.
كما يشكل هذا التعيين دعوة صادقة لبقية النساء العالمات والمختصات للمضي قدماً في خدمة قضايا الأمة من خلال العلم الراسخ، والمهنية العالية، والاجتهاد الجماعي الرشيد. إنه يؤكد أن المرأة المسلمة قادرة على المساهمة في بناء مستقبل أفضل لأمتنا عندما تُتاح لها الفرصة المناسبة وتُقدر كفاءتها العلمية حق قدرها.


