أين تمثيل الدول العربية ضمن سجل تطور التعليم عالمياً ؟!

بقلم د. محمد جميل الشبيشيري :
من الملاحظ أن الرسم البياني أسفله أن “الدول الأكثر تعليماً في العالم” يخلو تماماً من أي تمثيل للدول العربية، سواء كانت دول الخليج أو دول شمال أفريقيا أو بلاد الشام. هذا الغياب قد يعود إلى عدم توافر بيانات موثقة وقابلة للمقارنة من هذه الدول في المصدر المستخدم (CBRE Research)، أو قد يكون بسبب تأخر إصدار هذه البيانات في الدول العربية مقارنة بالدول الأخرى المذكورة في الرسم البياني. هذا الأمر يثير تساؤلات حول مدى شمولية هذا التصنيف العالمي وما إذا كان يعكس بدقة الصورة الكاملة لمستويات التعليم العالي على المستوى العالمي.
يكشف تحليل الرسم البياني عن صورة متنوعة ومعقدة لمشهد التعليم العالي على المستوى العالمي. تتصدر أيرلندا قائمة الدول من حيث النسبة المئوية للحاصلين على شهادة البكالوريوس أو أعلى في الفئة العمرية 25-64 سنة بنسبة 52.4%، تليها سويسرا بنسبة 46.0% ثم سنغافورة بنسبة 45.0%. هذه النسب المرتفعة تعكس استثمار هذه الدول الكبير في التعليم العالي وتركيزها على بناء اقتصادات قائمة على المعرفة والابتكار. في المقابل، تأتي الصين في المرتبة الأخيرة بنسبة 6.9% فقط، تسبقها الهند بنسبة 14.2%.
ومع ذلك، عند النظر إلى الأعداد الإجمالية للحاصلين على الشهادات الجامعية، تظهر صورة مختلفة تماماً. تتصدر الهند القائمة بـ 139.4 مليون شخص، تليها الصين بـ 88.1 مليون، ثم الولايات المتحدة بـ 78.2 مليون. هذا التباين الكبير بين ترتيب الدول من حيث النسبة المئوية وترتيبها من حيث العدد الإجمالي يعكس الفروق الهائلة في حجم السكان بين الدول. فالدول ذات الكثافة السكانية العالية مثل الهند والصين، رغم انخفاض نسبها المئوية، تمتلك أعداداً ضخمة من الحاصلين على شهادات جامعية بسبب حجم سكانها الهائل. في المقابل، الدول الصغيرة مثل أيرلندا وسنغافورة، رغم ارتفاع نسبها المئوية، تمتلك أعداداً إجمالية متواضعة نسبياً.
يمكن تقسيم الدول إلى مجموعات متمايزة من حيث مستويات التعليم العالي. تتميز دول أوروبا الغربية وشمال أوروبا (مثل أيرلندا وسويسرا وبلجيكا والمملكة المتحدة وهولندا والدول الاسكندنافية) بنسب مرتفعة تتراوح غالباً بين 35% و52%. كما تتميز بعض الدول الآسيوية المتقدمة (مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان) بنسب مرتفعة أيضاً. أما دول أمريكا اللاتينية (مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا) فتميل إلى نسب أقل تتراوح بين 18% و23%. وتأتي الدول الآسيوية ذات الكثافة السكانية العالية (الهند والصين) في المراتب الأخيرة من حيث النسبة المئوية.
من الملاحظات المثيرة للاهتمام أن بعض الدول ذات الاقتصادات المتقدمة مثل ألمانيا وفرنسا تسجل نسباً متوسطة نسبياً (32.9% و28.1% على التوالي)، وهي أقل من المتوقع مقارنة بدول مماثلة. قد يعكس هذا اختلافات في أنظمة التعليم، حيث تركز بعض الدول على التعليم المهني والتقني بدلاً من التعليم الأكاديمي التقليدي، أو قد يشير إلى اختلافات في طريقة تصنيف الشهادات أو جمع البيانات.
في ضوء غياب الدول العربية عن هذا التصنيف، يبقى من المهم إجراء دراسات مستقبلية تشمل هذه الدول لتقديم صورة أكثر شمولية عن مستويات التعليم العالي على المستوى العالمي، خاصة مع الاستثمارات الكبيرة التي تقوم بها بعض الدول العربية في قطاع التعليم في السنوات الأخيرة.



