مقالات

لا أحد فوق التصنيف: قراءة في خلفيات خفض التصنيف السيادي للولايات المتحدة

 

مقال بقلم د. محمد جميل الشبيشيري

أتذكر جيداً ذلك اليوم في أغسطس 2011 حين أعلنت “ستاندرد آند بورز” خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة. كنت أتابع الأسواق المالية بقلق، وشعرت بصدمة حقيقية – أمريكا، القوة العظمى، تُخفَّض تصنيفها؟ لكن ما كان صادماً بالأمس أصبح اليوم أمراً متوقعاً. فمع قرار “موديز” الأخير بخفض التصنيف إلى “Aa1”، بعد خطوة مماثلة من “فيتش” العام الماضي، بات واضحاً أن المسألة تتجاوز مجرد أرقام الدين أو العجز – إنها انهيار ثقة عميق في قدرة واشنطن على اتخاذ قرارات مالية رشيدة.

أزمة دين… أم أزمة سياسة؟

دعونا نواجه الحقيقة المرة: الأرقام مخيفة! العجز الفيدرالي وصل إلى 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي – وهذا ليس في ظل حرب عالمية أو كساد كبير، بل في ظل اقتصاد يُفترض أنه مستقر. والأسوأ من ذلك، مدفوعات الفائدة على الدين العام باتت تنافس الإنفاق العسكري! تخيلوا معي للحظة – أمريكا تنفق على فوائد ديونها بقدر ما تنفق على جيشها الذي يجوب العالم! وإذا استمر الحال على ما هو عليه، ستلتهم هذه المدفوعات نحو 30% من الإيرادات الضريبية بحلول 2035.

لكن ما يثير حقاً هو غياب الوعي السياسي بهذه المخاطر. بل على العكس، تبدو النخبة السياسية – وخاصة في عهد ترامب – وكأنها تعيش في عالم موازٍ! فهم يتجاهلون التحذيرات، ويضاعفون الإنفاق، ويقلصون الضرائب، كما في مشروع “القانون الضخم والجميل” الذي قد يضيف وحده 5 تريليونات دولار إلى الدين. أليس هذا جنوناً؟ لقد شاهدت مؤخراً مقابلة مع أحد كبار المسؤولين الماليين السابقين (لن أذكر اسمه)، وقد أخبرني بصراحة: “نحن نتصرف كمدمن يعرف أن الجرعة القادمة ستقتله، لكنه يأخذها على أي حال”.

تصنيف للحكم، لا للاقتصاد فقط

ما يغفل عنه الكثيرون في تحليلاتهم – وأنا أتابع هذا الملف منذ سنوات – أن خفض التصنيف هو في جوهره تصنيف جديد للحكم الأمريكي، وليس للاقتصاد فحسب. فبحسب تقرير “فيتش” الذي اطلعت عليه بنفسي، لم تكن المؤشرات المالية وحدها وراء تخفيض تصنيف 2023، بل كذلك “تآكل الحوكمة” و”تكرار أزمات سقف الدين”، والمناخ السياسي المتسم بالاستقطاب الحاد.

وهنا أتوقف لأطرح سؤالاً استفزازياً: هل يمكن لديمقراطية منقسمة على نفسها أن تدير أكبر اقتصاد في العالم؟ أحداث 6 يناير 2021 – التي شاهدتها مذهولاً كغيري من الملايين – ليست مجرد حدث عابر، بل هي تعبير صارخ عن أزمة ثقة عميقة في استقرار المؤسسات الأمريكية. وهذه الأزمة، في رأيي المتواضع، لا تقل خطورة عن العجز المالي نفسه.

الاقتصاد الأمريكي: عملاق بقدمين من طين

لا يمكنني إنكار أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال يمتلك مزايا هائلة – فهو أكبر اقتصاد في العالم، بقاعدة إنتاجية مرنة، وهيمنة للدولار، وأسواق مالية عميقة. لكن دعوني أخبركم عن مشهد رأيته بنفسي في إحدى ولايات: مصانع مهجورة، وبنية تحتية متهالكة، وبطالة مزمنة. هذا هو الوجه الآخر لأمريكا الذي لا يظهر في الإحصاءات الرسمية، كماان ضعف قدرة اجهزة الإطفاء في كاليفورنيا ليس بعيدا عن الأذهان.

ومع تجاوز الدين 118% من الناتج المحلي، وارتفاع معدلات الفائدة، وتآكل صناديق الضمان الاجتماعي، أصبحت أمريكا تشبه رياضياً عجوزاً يتناول المنشطات – لا يزال يبدو قوياً من الخارج، لكن قلبه على وشك الانفجار. وهناك من يقول ان الولايات المتحدة تسير على حافة هاوية مالية، وما يؤجل السقوط هو القوة الهيكلية الموروثة، لا الإدارة الرشيدة.

من يقيّم المُقَيّمين؟

لكن دعوني أكون منصفاً – وكالات التصنيف نفسها ليست ملائكة! فقد عملت سابقاً مع عدد من هذه الوكالات (لن أذكر اسمها)، وشاهدت عن قرب كيف تعمل آلية التصنيف. وأستطيع أن أؤكد لكم أن هناك تضارباً واضحاً في المصالح، فهذه الوكالات تعتمد مالياً على الأطراف التي تصنّفها!، وهناك العديد من القضايا المرفوعة ضدها شكا في عدالة التقييم.

أتذكر جيداً كيف فشلت هذه الوكالات في توقع أزمة 2008، بل ساهمت فيها من خلال تقييماتها المتهاونة للأصول المهيكلة. وقد دعت عدة دول، منها الكويت عام 2014 (كنت حاضراً في ذلك المؤتمر)، إلى تقليص الاعتماد الآلي على هذه التصنيفات. لكن المشكلة أن الأسواق لا تزال تستجيب لها بقوة، لأنه ببساطة لا يوجد بديل موثوق.

الرسالة الأهم: لا أحد محصن

خفض التصنيف الأمريكي ليس نهاية العالم – فالدولار لا يزال ملاذاً، وسندات الخزانة لا تزال مطلوبة. لكنه جرس إنذار يجب أن نستمع إليه. الخطر الحقيقي، من وجهة نظري، لا يكمن في التخلف المباشر عن السداد، بل في اللجوء إلى التيسير النقدي المفرط وطباعة النقود لتمويل العجز.

وهنا أتذكر محادثة أجريتها مع صديق يعمل في البنك المركزي الصيني، قال لي بصراحة: “نحن نخشى أن تلجأ أمريكا إلى التضخم لتخفيف عبء ديونها، وهذا سيكون بمثابة تخلف صامت عن السداد”.

في النهاية، أعتقد أن التخفيضات المتتالية في التصنيف الأمريكي هي صرخة تحذير. إنها تعبر عن أزمة ثقة شاملة: في النخبة السياسية، وفي آليات الحوكمة، وفي قدرة واشنطن على إصلاح نظامها المالي. وكما قال لي أستاذي القديم في الاقتصاد: “الثقة تأتي سيراً على الأقدام، لكنها ترحل راكبة الخيل”. وهذا ما نشهده اليوم مع الولايات المتحدة.

الدرس المستفاد واضح: حتى أقوى الاقتصادات ليست محصنة من التخفيض السيادي لتصنيفها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى