السرعة الصينية تغزو صناعة السيارات العالمية
السرعة الصينية تغزو صناعة السيارات العالمية
لم تعد المنافسة الصينية في صناعة السيارات تُقاس بعدد السيارات التي تصل إلى الموانئ الأجنبية، بل بعدد المصانع التي تبدأ العمل على أراضي تلك الدول.
فبعد سنوات من إغراق الأسواق العالمية بسيارات منخفضة التكلفة ومتقدمة تقنياً، ينتقل المصنعون الصينيون إلى مرحلة أكثر طموحاً: إنتاج السيارات حيث يبيعونها، ونقل نموذجهم الصناعي إلى قلب الأسواق المنافسة.

تجربة “فورد”
تعيد هذه الخطوة إلى الأذهان تجربة «فورد»، التي دشنت في مانشستر البريطانية عام 1911 أول منشأة كبيرة لصناعة السيارات خارج الولايات المتحدة، لتفتح الطريق أمام تحول شركات السيارات الطموحة من هيمنة محلية إلى انتشار عالمي.
وبعد أكثر من قرن، وفي وقت تتراجع فيه مكانة «فورد» نسبياً، تتحرك شركات السيارات الصينية في الاتجاه المعاكس، مستفيدة من صادرات متسارعة ومن قدرات تكنولوجية وصناعية باتت تفرض نفسها في الأسواق العالمية.
وتنتج الصين نحو ربع السيارات في العالم، بينما تواجه شركاتها منافسة شرسة داخل السوق المحلية، التي يُتوقع أن تنكمش بنحو 10% خلال العام الحالي. وأسهمت حرب الأسعار في دفع الشركات إلى البحث بقوة عن أسواق خارجية؛ إذ تراجعت حصة الشركات الأجنبية من السوق الصينية إلى نحو النصف خلال خمس سنوات، في حين قفزت صادرات السيارات الصينية بنحو سبعة أضعاف.
وتشكل العلامات التجارية الصينية نحو أربعة أخماس صادرات السيارات من الصين، فيما تتوقع شركة «أليكس بارتنرز» الاستشارية أن تصل صادرات البلاد إلى 10 ملايين سيارة خلال 2026، بزيادة تتجاوز 40% مقارنة بالعام السابق.
من التصدير إلى التصنيع المحلي
ورغم قوة الصادرات، فإن بناء المصانع بالقرب من العملاء الأجانب يحمل مزايا عديدة. فالإنتاج المحلي يقلل تكاليف شحن السيارات كاملة، ويتيح للشركات تفادي الرسوم الجمركية، كما يمنحها قدرة أكبر على فهم أذواق المستهلكين المحليين وتعديل السيارات وفقاً لها، إلى جانب تسهيل الالتزام باللوائح والمعايير التنظيمية.
كما تسعى الحكومات إلى جذب شركات السيارات من خلال الحوافز والإعانات والاستثمارات التي توفر وظائف وتدعم سلاسل التوريد المحلية.
وبدأت الشركات الصينية بالفعل في تجميع السيارات، أو أعلنت خططاً لإنشاء مصانع، في دول عدة تشمل إندونيسيا وكازاخستان وجنوب أفريقيا ومصر والبرازيل والمكسيك. لكن أوروبا تظل الجائزة الأكبر نظراً إلى ضخامة سوقها وقوتها الشرائية ومكانتها في صناعة السيارات العالمية.
وعلى الرغم من الرسوم التي فرضها الاتحاد الأوروبي على السيارات الصينية في 2024، لم تظهر مؤشرات واضحة على تراجع حضور الشركات الصينية. ففي الربع الثاني من العام الحالي، استحوذت هذه الشركات على نحو 11% من مبيعات السيارات في أوروبا الغربية، متجاوزة العلامات اليابانية، وفق بيانات “شميدت أوتوموتيف ريسيرش”.

أوروبا تشدد قواعد اللعبة
وتستعد بروكسل لاتخاذ إجراءات إضافية لدعم التصنيع المحلي. وينص مشروع «قانون تسريع الصناعة» الأوروبي المقترح على ربط بعض الحوافز وإعانات شراء السيارات والإعفاءات الضريبية المخصصة لأساطيل الشركات بتحقيق مستويات محددة من المكونات المحلية، إلى جانب إجراءات أخرى تفضل الإنتاج داخل أوروبا.
ورغم أن هذه القواعد قد تستغرق عاماً أو أكثر قبل دخولها حيز التنفيذ، وربما تخضع لتعديلات، فإنها دفعت الشركات الصينية إلى إعادة ترتيب خططها بسرعة.
وتبرز شركة “بي واي دي” BYD، أكبر شركات السيارات الصينية، كأحد أبرز الأمثلة. فهي تقترب من افتتاح مصنع في المجر، يمكن أن تصل طاقته مستقبلاً إلى نحو 300 ألف سيارة سنوياً.
وفي المقابل، علقت الشركة خطط مصنع آخر في تركيا كان يستهدف السوق الأوروبية، وبدأت البحث عن منشأة قائمة في إسبانيا أو فرنسا يمكن الاستحواذ عليها وتجهيزها بدلاً من بناء مصنع جديد.
ويستغرق إنشاء مصنع جديد نحو ثلاث سنوات، بينما يسمح الاستحواذ على مصنع قائم وإعادة تجهيزه بالدخول إلى السوق بسرعة أكبر وبتكلفة أقل. ومن المتوقع أن تتزايد فرص الاستحواذ مع إعادة هيكلة صناعة السيارات الأوروبية؛ إذ حصلت «فولكسفاغن» في الثالث من سبتمبر على موافقة مجلسها الإشرافي على خطة لإعادة الهيكلة تتضمن إنهاء الإنتاج في أربعة مواقع بألمانيا.
المصانع القائمة.. طريق أسرع
هناك خيار أسرع من شراء مصنع كامل أو بناء منشأة جديدة، ويتمثل في استغلال جزء من الطاقة الإنتاجية غير المستخدمة في مصانع قائمة.
وتقدر «أليكس بارتنرز» وجود طاقة إنتاجية فائضة في المصانع الأوروبية تكفي لإنتاج نحو 2.5 مليون سيارة سنوياً. وقد بدأت شركات صينية بالفعل في الاستفادة من هذا الخيار؛ إذ وقعت «شيري» في يونيو اتفاقاً مع «نيسان» لاستخدام جزء من مصنعها في سندرلاند ببريطانيا، فيما سمحت صفقة مماثلة لـ«جيلي» في يوليو بإنتاج سيارات كهربائية في مصنع تابع لـ«فورد» في فالنسيا الإسبانية.
ويرى بيدرو باتشيكو، من «جارتنر»، أن مثل هذه الاتفاقات تمثل حلاً مؤقتاً لتسريع دخول الأسواق، قبل الانتقال إلى الإنتاج المستقل. وفي هذا الاتجاه، أكدت «سايك» خططاً لإنشاء مصنع جديد في إسبانيا، بينما تبحث «إكس بنغ» عن قاعدة إنتاج أوروبية دائمة.

لماذا قد لا تختفي الميزة الصينية؟
قد يأمل صانعو السيارات الأوروبيون في أن يؤدي نقل الإنتاج إلى الخارج إلى تقليص فارق التكلفة الذي تتمتع به الشركات الصينية، والمقدر حالياً بنحو 30%. إلا أن هذا الرهان قد لا يتحقق بسهولة.
فالميزة الصينية لا تقوم على انخفاض أجور العمال وحده، وإنما على مزيج من الهياكل الإدارية الرشيقة، والإنتاج المبسط، والتكامل الرأسي المرتفع، واقتصادات الحجم الكبيرة. وتحتوي السيارة الصينية عادة على نحو 1000 إلى 2000 قطعة، مقابل 3000 إلى 10 آلاف قطعة في السيارات الأوروبية المنافسة، وفق فابيان براندت من “أوليفر وايمان”.
كما قطعت الصين شوطاً متقدماً في تطوير ما يعرف بـ«السيارة المعرفة بالبرمجيات»، التي تعتمد على حاسوب مركزي للتحكم في معظم وظائف السيارة، بدلاً من عشرات وحدات التحكم الإلكترونية المنفصلة المستخدمة على نطاق واسع لدى الشركات الغربية.
ولا تقتصر الميزة على خفض التكلفة، بل تمتد إلى سرعة تطوير المنتجات. إذ تستطيع الشركات الصينية تطوير طراز جديد في نحو عامين، مقابل أربعة أعوام أو أكثر لدى العديد من المنافسين الأجانب، وهي السرعة التي أصبحت تُعرف داخل القطاع باسم “السرعة الصينية”.
“السرعة الصينية” تعبر الحدود
من المرجح أن تنتقل نسبة كبيرة من هذه المزايا مع المصانع الصينية إلى الخارج. فالبحث والتطوير سيظل متركزاً في الصين، بينما يمكن نسخ أساليب التصنيع التي جرى تطويرها محلياً في المصانع الخارجية.
لكن الشركات الصينية ستواجه تكاليف إضافية، أبرزها إنشاء شبكات مبيعات وخدمات ما بعد البيع في نحو 30 سوقاً، فضلاً عن الاعتماد على موردين محليين في أوروبا، خصوصاً إذا فرضت بروكسل شروطاً أكثر صرامة بشأن المحتوى المحلي.
كما ستواجه الشركات تكاليف العمالة والطاقة، وإن كانت تستطيع اختيار مواقع إنتاج أقل تكلفة في شرق أوروبا مثل المجر وسلوفاكيا بدلاً من ألمانيا.
وقد تصبح تكلفة العمالة أقل أهمية مستقبلاً مع توسع الأتمتة. ففي الصين تعمل شركات السيارات على تطوير «المصانع المظلمة»، وهي منشآت مؤتمتة بدرجة عالية إلى حد أن غياب العمال يلغي الحاجة حتى إلى الإضاءة التقليدية. ومع اكتمال هذه المصانع، يمكن نقل تقنياتها وعملياتها إلى الخارج وتكرار نموذجها في الأسواق العالمية.

6 ملايين سيارة خارج الصين؟
تجعل سرعة التوسع الصيني التنبؤ بحجم الإنتاج الخارجي أمراً صعباً. وتتوقع «أليكس بارتنرز» أن تمتلك شركات السيارات الصينية قدرة إنتاجية خارج البلاد تبلغ 3.4 مليون سيارة بحلول 2030، مقارنة بنحو 1.2 مليون سيارة العام الماضي، بينما ترفع تقديرات أخرى الرقم إلى نحو 6 ملايين سيارة.
وتتوقع «موبيليتي غلوبال» أن تنتج العلامات الصينية نحو 90 ألف سيارة في أوروبا خلال العام الحالي، على أن يرتفع الرقم إلى ما يصل إلى مليون سيارة بحلول 2030.
وبذلك، لا يبدو أن «السرعة الصينية» ستتوقف عند حدود الصين. فالمنافسة المقبلة لن تكون بين سيارات صينية وأوروبية أو يابانية فحسب، بل بين نماذج صناعية كاملة، وهو ما يجعل انتقال المصانع الصينية إلى الخارج أحد أكبر التحولات التي تشهدها صناعة السيارات العالمية منذ عقود.



