
يصل عمر برنامج «همسة عتاب» إلى نحو خمسين عامًا، وهو أحد أعمدة الإذاعة المصرية الكلاسيكية، ليس فقط كعمل فني إذاعي، بل كوثيقة اجتماعية رصدت مبكرًا تشوهات السلوك البيروقراطي في الحياة اليومية. فمن خلال أداء لافت للممثل القدير رأفت فهيم، لمدة تزيد عن عشرين عاما وحتي وفاته، ومازال البرنامج مستمرا ، بممثلين جدد . وتحوّل البرنامج إلى نقد ناعم لكنه نافذ لعقلية الموظف الروتيني الذي يتخذ من الرفض والتأجيل ملاذًا آمنًا، ويردد عباراته الشهيرة:
«شوف مصلحتك يا سيد»، و**«فوت علينا بكرة يا سيد»**، وكأن الزمن نفسه أصبح أداة إدارية لتعطيل المصالح.
خصلة الرفض، في جوهرها، خصلة تُريح من يمارسها أكثر مما تخدم من تُمارَس عليه. فالرفض لا يحتاج إلى جهد، ولا يتطلب تفكيرًا، ولا يحمّل صاحبه عبء القرار. وقد قيل في الأثر إن المفتي الذي يمنع كل شيء صاحب علم منقوص، لأن المنع الدائم لا يعكس ورعًا بقدر ما يعكس خوفًا من الاجتهاد، أو عجزًا عن الفهم. أما الذي يُيسّر على الناس ويوازن بين النص والمقصد، وبين القاعدة والاستثناء، فهو الأعلم والأفقه، لأن التيسير المسؤول فعل معرفة، لا تفريط.
وتتجلى ثقافة الرفض بوضوح عندما يتبوأ موظف بيروقراطي موقعًا لا يملك أدواته، فيعوض نقص الكفاءة بالإفراط في التعقيد، ويستبدل البحث عن الحلول بالاحتماء بالإجراءات، أو التلويح باللوائح والقرارات. هنا لا تعود القواعد وسيلة لتنظيم العمل، بل تتحول إلى ذريعة جاهزة لرفض أي طلب، وإلى درع واقٍ من المساءلة.
والفرق جوهري بين مدير يُحسن ترتيب الإجراءات وتطبيقها حرفيًا، وبين قائد يفهم الغاية من الإجراء، ويبحث عن مخرج قانوني ومنطقي، ويقترح بدائل تحقق الهدف دون الإضرار بالمؤسسة أو بالناس. المدير يحفظ اللائحة، أما القائد فيفهم روحها. الأول يدير الورق، والثاني يدير المشكلات.
ولم تكن شخصية الموظف في همسة عتاب محض مبالغة درامية، بل انعكاسًا دقيقًا لواقعٍ اجتماعي عاشه المواطنون وما زالوا. ذلك الموظف الذي ينتمي دائمًا إلى “جبهة الرفض”، لا لأنه حريص على النظام، بل لأنه يخشى المسؤولية، ويُفضّل السلامة الشخصية على أداء الدور الوظيفي. ولهذا كانت عباراته المأثورة صادقة إلى حد الإيلام:
«شوف مصلحتك يا سيد»، أي لستُ معنيًا، و**«فوت علينا بكرة يا سيد»**، أي دع التأجيل يحل المشكلة بدلًا مني.
والمقلق أن هذه الثقافة لم تَعُد حكرًا على الأجهزة الحكومية، بل تسللت إلى قطاع الشركات، بل وحتى إلى بعض البنوك، حيث تجد من يتفنن في رفض المعاملات لكل أنواع العملاء، صغيرهم وكبيرهم، دون سعي حقيقي إلى حل، أو حتى اقتراح بديل. والنتيجة واحدة دائمًا: تعطيل المصالح، وتآكل الثقة، وإضعاف سمعة المؤسسة التي يعملون بها.
ومن منظور الإدارة الحديثة، تُعد هذه الظاهرة أحد مظاهر القيادة السلبية، حيث يُدار الخوف بدلًا من إدارة المخاطر، ويُقدَّم تجنب الخطأ على تحقيق الهدف. فضعف القدرات التحليلية، وغياب التدريب، والخشية من المساءلة، كلها عوامل تدفع الموظف إلى تفضيل المنع، لأنه الخيار الأسهل والأقل تكلفة عليه شخصيًا، حتى لو كان الأعلى تكلفة على المؤسسة والاقتصاد.
وليس من قبيل المصادفة أن يربط القرآن الكريم بين الرياء ومنع الماعون؛ فالماعون لا يقتصر على المال، بل يشمل كل نفعٍ بسيط يمكن تقديمه. ومنع الماعون، بهذا المعنى الشامل، هو منع الخدمة، وتعطيل المصلحة، وكسر خاطر صاحب الحاجة، فقيرًا كان أو غنيًا صاحب حق مشروع. فالمنع هنا ليس التزامًا، بل عجز مقنّع بثوب النظام.
إن أخطر ما في ثقافة الرفض أنها تُلبس العجز لباس الانضباط، وتُقنّع الخوف بثوب الالتزام، بينما الحقيقة أنها تقوّض الثقة، وتضعف المؤسسات، وتقتل روح المبادرة. فالمؤسسات لا تُبنى باللوائح وحدها، بل تُبنى بعقول تفهم المقاصد، وضمائر تتحمل المسؤولية، وقيادات تعرف أن دورها ليس أن تقول «لا» دائمًا، بل أن تبحث عن «كيف» كلما كان ذلك ممكنًا.



