الذكاء الاصطناعي: محرك النمو الاقتصادي ومستقبل أسواق العمل

بفلم د. محمد جميل الشبشيري
يشهد العالم تحولاً جذرياً بفضل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، الذي بات لا يقتصر تأثيره على الابتكارات التكنولوجية فحسب، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي وأسواق العمل. فبينما تتزايد المخاوف بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على أتمتة الوظائف وإزاحة العمالة البشرية، تشير تحليلات متعمقة إلى أن هذه الثورة التكنولوجية قد تكون في الواقع قوة دافعة لنمو غير مسبوق في الإنتاجية، وخلق قيمة اقتصادية هائلة، وحتى تعزيز مستويات التوظيف على المدى الطويل.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل القيمة السوقية للشركات
تتجه أنظار المستثمرين والشركات على حد سواء نحو الذكاء الاصطناعي، متسائلين عن مدى قدرته على تحقيق مكاسب حقيقية. إن التبني الكامل للذكاء الاصطناعي من قبل شركات مؤشر S&P 500 يمكن أن يضيف مكاسب صافية سنوية تصل إلى 920 مليار دولار. هذه المكاسب لا تقتصر على خفض التكاليف فحسب، بل تشمل أيضاً زيادة الإيرادات، مما يعكس الأثر الإيجابي الشامل للذكاء الاصطناعي على الكفاءة والابتكار.
وعلى المدى الطويل، فإن هذه المكاسب قد تترجم إلى زيادة هائلة في القيمة السوقية لمؤشر S&P 500، تتراوح بين 13 و16 تريليون دولار، وهو ما يمثل زيادة تتراوح بين 24% و29% عن المستوى الحالي للمؤشر. هذه التوقعات الطموحة تسلط الضوء على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي كقوة تحويلية قادرة على إعادة تعريف معايير التقييم في الأسواق المالية.
تأتي هذه المكاسب المتوقعة من نوعين رئيسيين من الذكاء الاصطناعي: “الذكاء الاصطناعي الوكيلي” (Agentic AI) و”الذكاء الاصطناعي المتجسد” (Embodied AI). يُتوقع أن يأتي حوالي 490 مليار دولار من المكاسب السنوية من الذكاء الاصطناعي الوكيلي، وهو عبارة عن برمجيات قادرة على التخطيط واتخاذ القرار وتنفيذ المهام بحد أدنى من الإشراف البشري. أما الـ 430 مليار دولار المتبقية، فمن المتوقع أن تأتي من الذكاء الاصطناعي المتجسد، مثل الروبوتات البشرية التي يمكنها أداء مهام مادية.
تأثير الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل والوظائف
لطالما أثارت الثورات التكنولوجية عبر التاريخ، من اختراع الكهرباء إلى ظهور الإنترنت، مخاوف بشأن مستقبل الوظائف. ومع كل موجة تحول، كان سوق العمل يتشكل من جديد، مغيراً طبيعة الوظائف ومستويات التوظيف. وفي سياق الذكاء الاصطناعي، تتجدد هذه المخاوف من أن يؤدي إلى إلغاء ملايين الوظائف وزيادة البطالة. ومع ذلك، يشير التاريخ إلى نمط متكرر: على الرغم من الاضطرابات الأولية، فإن الابتكارات التكنولوجية غالباً ما تحقق أثراً إيجابياً صافياً على نمو الوظائف، وإن كان ذلك يتطلب إعادة تأهيل وتدريب غير مسبوقين للقوى العاملة.
فبعض الأدوار ستخضع للأتمتة، بينما ستتعزز أدوار أخرى بدعم من الذكاء الاصطناعي، وسيتم إنشاء وظائف جديدة بالكامل لم تكن موجودة من قبل. هذا المنظور المتوازن يعترف بالتحديات ولكنه يبرز أيضاً الفرص الهائلة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي.
من المتوقع أن يؤثر الذكاء الاصطناعي الوكيلي على نطاق أوسع من الوظائف مقارنة بالروبوتات البشرية (الذكاء الاصطناعي المتجسد). ومع ذلك، هذا لا يعني بالضرورة فقدان وظائف أكبر؛ بل قد يحول طبيعة العمل نحو مهام ذات قيمة أعلى ويتيح إنشاء المزيد من المناصب. على النقيض، فإن الذكاء الاصطناعي المتجسد، على الرغم من تأثيره على عدد أقل من الوظائف، يحمل احتمالية أكبر للأتمتة والإزاحة المباشرة للعمالة في مهام محددة.
تستعد الشركات بالفعل لهذا التحول من خلال إنشاء مناصب تنفيذية جديدة، مثل رئيس الذكاء الاصطناعي (Chief AI Officer)، الذي يتولى مسؤولية توجيه تبني الذكاء الاصطناعي وربطه بالأهداف الاستراتيجية للأعمال. ومع تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات، ستصبح الحاجة ملحة لتوسيع أدوار حوكمة البيانات، والامتثال، والسياسات، وأمن المعلومات لضمان الاستخدام المسؤول والفعال لهذه التقنيات.
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة للأتمتة، بل هو محفز للابتكار البشري وخلق فرص غير متوقعة.
تقييم الذكاء الاصطناعي في المحافظ الاستثمارية
يُعد الذكاء الاصطناعي قوة تحويلية قادرة على فتح مصادر جديدة للنمو والإنتاجية والابتكار عبر مختلف الصناعات، ويتطور بوتيرة متسارعة بشكل أُسّي. تُظهر البيانات من السنوات الست الماضية أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتضاعف كل سبعة أشهر، مما يستدعي من المستثمرين مراقبة هذا التطور عن كثب نظراً لتأثيره المباشر على خلق القيمة للشركات.
هذا يعني أن الشركات التي تتبنى الذكاء الاصطناعي بفعالية قد تشهد نمواً يفوق التوقعات التقليدية، مما يجعلها فرصاً استثمارية جذابة.
أبرز القطاعات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي
- توزيع السلع الاستهلاكية والتجزئة: يمكن لهذا القطاع الاستفادة بشكل كبير من الذكاء الاصطناعي لتحسين سلاسل الإمداد، وتعزيز ديناميكيات التجارة، وتوفير بحث ذكي عن المنتجات، وتطبيق تسعير مخصص. يمكن لشركات التجزئة، من خلال هذه التحسينات، توسيع أسواقها وخلق إيرادات جديدة بهوامش عالية.
- إدارة وتطوير العقارات: يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أتمتة ما يصل إلى 37% من المهام في هذا القطاع، بدءاً من عمليات المبيعات وصولاً إلى إدارة المباني. يمكن للمساعدين الافتراضيين والروبوتات البشرية أن تلعب دوراً حيوياً في مساعدة المشترين والمستأجرين وضيوف الفنادق.
- النقل: ستعيد أنظمة التوصيل الذاتي، بما في ذلك الطائرات المسيّرة والروبوتات الأرضية، تعريف سلاسل الإمداد واللوجستيات بشكل جذري، مما يزيد الكفاءة ويخفض التكاليف ويحسن سرعة التسليم.
أما قطاعات مثل معدات التكنولوجيا وأشباه الموصلات فمن المتوقع أن تشهد تأثيرات أقل نسبياً من الذكاء الاصطناعي مقارنة بالقطاعات المذكورة أعلاه.
الخلاصة
يُظهر الذكاء الاصطناعي نفسه كقوة لا يمكن تجاهلها في تشكيل المستقبل الاقتصادي وأسواق العمل. فبينما يثير مخاوف مشروعة بشأن إزاحة الوظائف، فإن التحليلات تشير إلى إمكانية تحقيق أثر إيجابي صافٍ على نمو التوظيف وخلق قيمة اقتصادية غير مسبوقة. إن التبني الفعال للذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى القيمة السوقية للشركات، ويفتح آفاقاً جديدة للنمو في قطاعات متنوعة. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب استثماراً مستمراً في إعادة التأهيل والتدريب للقوى العاملة، وتطويراً لأطر حوكمة قوية لضمان الاستخدام المسؤول والأخلاقي لهذه التقنيات.


