مقالات

جدي والاقتصاد السلوكي: حكمة الفطرة وسلوك السوق

 

بقلم د. محمد جميل الشبشيري

بعد وفاة والدي، رحمه الله، لم أجد بجانبي سوى قلة قليلة من أصدقائه، رأيت في أعينهم محبة وحرصًا على أسرة فُجعت برحيل عائلها المفاجئ. لكن الحقيقة أن السند الحقيقي الذي بقي بجواري كان جدي لأمي، علي، رحمه الله، الذي وقف إلى جانبي في تلك الأيام العصيبة كأبٍ حنون، وصديقٍ صدوق، ومستشارٍ حكيم.

وبعد انتهاء مراسم العزاء، شعرت أن من واجبي أنا وجدي أن نوجّه الشكر للدكتور فتحي أبو راضي، رحمه الله، زميل دراسة والدي في مقر عمله حيث كان مديرًا لإسعاف القاهرة، لتفضله بزيارة والدي أثناء مرضه، ولإشرافه على نقل رفاة والدي من القاهرة إلى بلدتنا “الضهرية” بمحافظة البحيرة. وبعدها كان الدكتور فتحي وأسرته من أهم أصدقائي إلى أن فرقتنا الأيام.

ثم جاءت محطة لا تُنسى من محطات حياتي، حين اصطحبني جدي إلى مبنى جريدة الأهرام القريب من مقر الإسعاف، في زيارة إلى مدير عام مؤسسة الأهرام آنذاك. لم أكن أعلم أن هذا اللقاء، رغم قصره، سيترك أثرًا بالغًا في نفسي. استقبلنا الرجل بحفاوة دافئة وعاطفة صادقة، وكأن بينه وبين جدي صداقة قديمة أو مودة دفينة.

وأثناء الحديث، بادرنا المدير بحكاية من سيرته الشخصية لا تزال محفورة في ذاكرتي. قال إنه وُلد في إحدى قرى محافظة البحيرة، وعاش طفولة بسيطة، لكن لحظة فارقة غيّرت مجرى حياته: بعد وفاة والده، جاء إلى بيتهم رجل غريب يحمل أكياسًا من الفاكهة والحلوى. سأل الطفل والدته بدهشة عن هذا الرجل، فأجابته – بثبات الأم الصادقة – أنه جاء يطلب الزواج منها، وأنه على استعداد ليعولها ويعوله.

حينها، وفي لحظة نضجٍ مبكر، قال الصبي في نفسه: “أنا من سيعول أمي.”

فرغم صغر سنه، قرر أن يتحمل المسؤولية، فبدأ يعمل في الزراعة إلى جانب دراسته. تأخر عامًا في الثانوية بسبب هذا العبء، لكنه لم يستسلم، وواصل حتى التحق بكلية الحقوق وتفوّق فيها. وبعد التخرج، عُرضت عليه وظائف عدة، لكنه اختار مؤسسة الأهرام، ليبدأ فيها رحلة تميز حقيقية، ارتقى خلالها حتى أصبح من رموزها الإدارية البارزة.

وكأن هذه الجلسة كانت درسًا عمليًا في علمٍ لم أكن أعرف اسمه حينها، لكنه عرّفني لاحقًا على ما يسمى اليوم بـعلم التنمية البشرية؛ وهو علم يهتم بتطوير قدرات الإنسان الذهنية والنفسية، وتمكينه من تحقيق أهدافه واستثمار طاقاته بشكل فعّال، وبناء ثقته بنفسه وتحسين مهاراته في التواصل واتخاذ القرار، ليعيش حياة متوازنة وناجحة.

لم أكن أعلم حينها أن ما عشته في كنف جدي لم يكن مجرد دعم عائلي، بل كان تطبيقًا حيًّا لمبادئ ما يُعرف اليوم بـ”الاقتصاد السلوكي”، ذلك الفرع من علم الاقتصاد الذي يُعنى بكيفية تشكّل قرارات الإنسان تحت تأثير العاطفة، والتنشئة، والظروف النفسية والاجتماعية، لا من منطلق الحوافز المادية وحدها.

فقد ربّاني جدي على أن اتخاذ القرار لا ينبني فقط على ما هو “مربح”، بل على ما هو “صحيح”. علّمني أن الثقة بالنفس، والانضباط، والإيمان، والقدرة على تأجيل المتعة من أجل هدف أكبر، هي ما يُشكّل القاعدة الحقيقية للنجاح — وهي نفسها المفاهيم الجوهرية التي يعكف علماء الاقتصاد السلوكي على دراستها اليوم، مثل النَّزعة لضبط الذات (self-control)، والتحيّز للسياق الشخصي (framing effect)، والمرونة في مواجهة الخسارة (loss aversion).

لقد كان جدي يمارس، بعفويته الفطرية، ما يُدرّسه خبراء السلوك في كبريات الجامعات. لقد صنع في داخلي إنسانًا قادرًا على اتخاذ القرار، ليس فقط بدافع المنفعة، بل بدافع القيم. وهذه هي – في نظري – أعمق أشكال الاقتصاد… الاقتصاد الذي يبدأ من الداخل.

كانت تلك الزيارة واحدة من أولى خطواتي الجادة نحو فهم الحياة، وشعرت حينها أنها لم تكن صدفة، بل درس من الله، أن النجاح لا يُولد في كنف الرفاهية، وأن العظماء كثيرًا ما نشأوا أيتامًا، كما نشأ رسولنا الكريم ﷺ.

توالت بعدها خطواتي مع جدي “علي” – رحمه الله – الذي كان رجلًا سابقًا لعصره. رزقه الله بخمس بنات وولد، وحرص على تعليمهم وتزويجهم، وكان محبوبًا بين الناس، يأسر القلوب بسرعة عجيبة. رغم أصوله الريفية، إلا أنني وجدته حكيمًا في رأيه، راقيًا في سلوكه. وكان هو الآخر يتيمًا، كثيرًا ما حدّثني عن زوجة أبيه فاطمة، التي جاءت لتحل محل والدته الراحلة عائشة، التي كانت تملأ البيت حياة ونشاطًا.

يحكي لي جدي أنه كان صبيًا صغيرًا، يشعر بالانكسار يوم زفاف والده إلى فاطمة. جلس حزينًا في ركنٍ بعيد، فاقتربت منه “فاطمة” بحنانٍ لا يُنسى، وقالت له: “لن أكون بديلة لأمك، بل سأكون سندًا لأبيك ولكم.”

تركت عريسها ليلة الزفاف، وظلّت بجانبه حتى  الصباح، وكأنها “زُفّت” إليه هو، لا إلى أبيه، وجاءت خصيصًا لترعاه. نجحت في كسب قلبه، وأصبحت في حياته أمًّا جديدة يجلّها ويحفظ لها هذا الجميل حتى آخر أيامه.

ورث جدي منها ومن تلك البيئة موهبة الحكاية، وأتقن فنّ القرب من القلوب. لم يكن مجرد جد بالنسبة لي، بل كان صديقي، وأخي الأكبر، ورفيقي في القرار والمشورة. ألجأ إليه عندما تحتار نفسي، وأناقشه فيما يشغلني أنا وأسرتي.

لم يقتصر حضوره في حياتي على النصح، بل كان له الفضل في زواجي أيضًا، حيث أشرف على ترتيبات الزواج بنفسه، وكان وكيلي في كتابة عقد القِران. ورغم اعتراض بعض أعمامي في البداية، فإنهم جميعًا باركوا اختياري، لأنهم كانوا يرونه أبًا وقورًا، ذا كاريزما خاصة، فتنازلوا له عن هذا الشرف عن طيب خاطر.

رحمك الله يا جدي وصديقي…

عشت يتيمًا، لكن الله أكرمك بأمّ جديدة، كنت لها الابن الذي لم تلده. وكنت لي، بعد رحيل أبي، السند والظلّ والقدوة. زرعت في قلبي إيمانًا بأننا قادرون على النهوض مهما كانت البداية موجعة، وأن القلوب التي تحب بصدق لا تُنسى، بل تبقى حيّة فينا… إلى الأبد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى