مقالات

جيل الذكاء الاصطناعي بين وعود التقدّم ومخاوف التجربة: هل تصبح الفصول الدراسية مختبرات تجارب؟

 

 بقلم د. محمد جميل الشبشيري

عندما رأيت مقطعًا على يوتيوب يعرض قلمًا ذكيًا يستطيع أن يمسح السؤال ضوئيًا أثناء الامتحان ويعطي الطالب الإجابة الصحيحة في ثوانٍ معدودة، أيقنت حينها حجم الآفاق الرحبة التي باتت متاحة للطلاب للاعتماد على تقنيات مشابهة من أجل تحقيق النجاح، دون عناء الدراسة أو جهد الفهم. لقد أصبح إدماج الذكاء الاصطناعي في مقررات التعليم أمرًا ضروريًا لا مفر منه، بل إن إطلاع المعلمين أنفسهم على هذه التقنيات بات أمرًا حيويًا، حتى نتمكن من إعداد جيل قادر على التعلم والاستيعاب في ظل الطفرات التكنولوجية المتسارعة، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.

تسويق قديم بثوب حديث

ما نشهده اليوم في المدارس والجامعات هو إعادة لإنتاج خطاب قديم بثوب عصري. فشركات التكنولوجيا الكبرى، من مايكروسوفت إلى OpenAI، تضخ ملايين الدولارات في برامج تستهدف دمج روبوتات الدردشة في التعليم، وتعد بتخفيف الأعباء عن المعلمين وتحسين مستوى الطلاب. وهي نفس الوعود التي سمعناها في أوائل الألفية حول الحواسيب المحمولة التي قيل إنها ستحدث “ثورة” في التعليم، لتُنفق الملايين، وتبقى النتائج متواضعة في النهاية.

الخطاب الآن لا يختلف كثيرًا: أدوات الذكاء الاصطناعي ستُعدّ الطلاب لسوق العمل، والمدارس التي لا تعتمدها ستتخلف، والطلاب سيفقدون فرصتهم في مواكبة المستقبل. هذا النوع من الضغط التسويقي، الذي يركب موجة “الخوف من التخلف”، يحوّل الفصول الدراسية إلى حقل تجارب، والطلاب إلى أدوات اختبار.

من الفصل إلى السحابة

في مناطق تعليمية مثل كيلسو بواشنطن ونيوارك بنيوجيرسي، بدأ استخدام أدوات مثل “Gemini” من غوغل، ومنصة الذكاء الاصطناعي التابعة لأكاديمية خان، لتوزيع الطلاب إلى مجموعات حسب مستوياتهم، والإجابة عن أسئلتهم بشكل لحظي. الجامعات أيضًا دخلت على الخط، مثل منظومة جامعة ولاية كاليفورنيا التي وقّعت عقدًا بـ17 مليون دولار لإتاحة ChatGPT لنحو نصف مليون طالب.

المثير أن هذا التوسع يأتي في ظل دعم سياسي واضح، حيث وقع الرئيس ترامب أمرًا تنفيذيًا في أبريل يدعو إلى دمج الذكاء الاصطناعي في المناهج، في كل المراحل الدراسية، باعتباره “ضرورة استراتيجية” لضمان الريادة الأمريكية في الثورة التقنية.

لكن، ماذا عن جودة التعلم؟

رغم الوعود البراقة، فإن السؤال الجوهري ما زال معلقًا: هل تسهم هذه الأدوات فعلًا في تحسين جودة التعلم؟ حتى الآن، لا يوجد دليل علمي كافٍ على أن استخدام روبوتات الدردشة يحقق نتائج تعليمية ملموسة. الاستخدام الفعلي لها بين الطلاب يكاد يقتصر على دورها كمحرك بحث متقدم، أو أداة مساعدة في الكتابة، وأحيانًا أداة للغش.

تجربة أجهزة الكمبيوتر المحمولة تُذكرنا أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع الفرق. ففي مراجعة شملت عشر دراسات، أظهرت النتائج تحسنًا طفيفًا في مهارات الكتابة والرياضيات، لكنها ظلت مشروطة بعوامل أخرى مثل تحفيز المعلمين وتطوير المناهج. بل إن أدوات تقليدية مثل تقليل أعداد الطلاب في الفصل أو توفير دعم فردي عبر معلمين خصوصيين أثبتت فعالية أكبر في تحسين التعلم.

مخاطر كامنة وتجربة مفتوحة

الرهان اليوم ليس فقط على تحصيل الطلاب، بل على تشكيل وعيهم ومستقبلهم في بيئة أصبحت تعتمد على أدوات رقمية متقدمة، غامضة في آلياتها، وقوية في تأثيرها. طلاب اليوم يسلمون بياناتهم طواعية لشركات التكنولوجيا، ويتعلمون تدريجيًا كيف يعتمدون على الذكاء الاصطناعي بدلًا من الاعتماد على الفهم الذاتي أو المجهود الشخصي.

المدارس، في كثير من الحالات، تبدو كمن يركب موجة غير مدروسة، بدافع الخوف من التأخر، وليس بناءً على رؤية تربوية متكاملة. وبهذا تتحول العملية التعليمية إلى تجربة مفتوحة، نتائجها غير واضحة، وقد لا تظهر إلا بعد سنوات.

الخلاصة:

التكنولوجيا ليست خصمًا للتعليم، بل يمكن أن تكون حليفه الأقوى، إذا أحسن استخدامها. لكن قبل أن نُسرِع في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في كل زاوية من الفصول، علينا أن نتريّث ونطرح السؤال الأهم: هل هذه الأدوات تُعلم حقًا، أم أنها فقط تُسهل الوصول إلى الإجابة؟ وهل نريد من طلابنا أن يفهموا… أم فقط أن ينجحوا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى