جدي وأمي والاقتصاد

بقلم د. محمد جميل الشبشيري
بينما كنتُ أجري فحصًا باستخدام جهاز “جاما راديو”، مرت أمامي الذكريات كأنني أشاهد فيلمًا سينمائيًا، وإذا بي أتذكر قصص جدي وأمي، تلك التي عاشت معه وتعلّمت على يديه وتعلّقت به منذ طفولتها السعيدة، وإن كانت قصيرة.
كانت أمي متفوقة في المدرسة، لكن والدها اختار لها الزواج حين طرق والدي (رحمه الله) بابها، فخرجت من بيت جدها وهي لم تزل دون الرابعة عشرة من عمرها. ومع قصر الفترة التي عاشتها معه، إلا أن جدي استطاع أن يغرس فيها منظومة أخلاقية وقيمية واسعة، ويعلّمها في الوقت ذاته أصول الاقتصاد المنزلي؛ فقد كانت ترى فيه نموذجًا للحكمة في الإنفاق، والانضباط في العطاء، والترتيب في الأولويات. وهذا ما جعلني كثيرًا ما أسألها: “ماذا كان ليفعل جدي في هذا الموقف؟ وكيف كان سيتصرف؟”
كانت أمي تشتكي من كثرة المشاوير، خصوصًا حين يرزقهم الله ببقرة ولدت حديثًا، فيصرّ جدي على توزيع جزء من “السَّرْسُوب” – ذلك اللبن الكثيف والمغذّي الذي يُدرّ أولًا من البقرة بعد الولادة، ويُعدّ من أطيب ما يُهدى في القرى – على جميع الجيران، شكرًا لله على النعمة، وإحساسًا بمن حوله من أقارب وجيران. وكانت أمي مسؤولة أيضًا عن توزيع زكاة الفطر، التي كانت تُعطى في صورة حبٍّ مما تنتجه الأرض. لكن جدي كان يُضيف إلى طبق الحبوب كعكًا وحلوى يشتريها خصيصًا، لتبدو وكأنها هدية تدخل السعادة على أهل بيته وجيرانه.
هكذا تعلّمت أمي فقه الزكاة عمليًا وبدون دروس نظريّة. فكانت تحكي لي قصصًا عن جدي، وحرصه على إخراج الزكاة في يوم الحصاد نفسه، وعن مساعدته للآخرين حين تنقص مؤونتهم، حتى ولو كان ذلك من خلال قرض حسن.
وتعلّمت أمي من جدي أيضًا اقتصاديات إدارة المنزل. فقد كان يرى أن الاكتفاء الذاتي أساس الاستقرار. كان يفخر بأن لديه ما ينتجه بنفسه: فواكه الصيف من عنب وجوافة وبلح، وبطاطا الشتاء التي كان يحرص على تخزينها في الدور الثاني من البيت داخل غرفة مستقلة، ويخرجها أسبوعيًا بعدد محدد. لكنّه كان يُوصي أمي أن تُعطي من في البيت أكثر مما أخرج، ويُشعرها بأنه لا يراها، حُبًا لها وكرامة.
وكان حريصًا على الادخار، ويرى في الأرض مصدرًا للثروة. لم يكن يؤمن بالترف، بل بالتوازن. كان يُخطط لتأمين حاجات العام منذ الصيف، ويُربّي في أمي مهارات الشطارة المنزلية، من تدوير الموارد، وتدبير المال، وإكرام الضيف دون إسراف.
وهكذا تعلّمت أمي كيف تُدير بيتها وهي بعدُ فتاة في الرابعة عشرة. ولا تزال، أطال الله في عمرها ورزقها الصحة والسعادة، تحمل تلك القيم وتعمل بها، وتجعل من بيتها امتدادًا لبيت جدي، روحًا وأسلوبًا.
وهناك كثير من القصص التي تؤكد على قدرة جدي، رحمه الله، على نقل تجاربه وأخلاقه وقيمه إلى حفيدته. أدّخرها لكم في مقال قادم.
رحم الله جدي امي وجدي الأكبر محمود وجعل مثواه الجنة، ونسألكم الدعاء له بالرحمة والمغفرة.


