” التفليسة ” نافذة للتهرب من الديون أم فرصة للسداد المرن
هل قانون الإفلاس يحمي النصابين من الحبس

وجهة نظر يكتبها صالح ناصر الصالح
بداية أردت أن اوضح مفهوم الإفلاس وهو تعبير يصف الوضعية القانونية التي يوجد عليها شخص طبيعي (فرد) أو معنوي (شركة) مَدين بالمال لأطراف أخرى (موردون، مصارف، إدارة الضرائب…) لكنه متوقف عن سداد ديونه وعاجز عن الوفاء بالتزاماته المالية تجاه دائنيه.
وتُعلَن حالة الإفلاس بحكم قضائي من طرف محكمة مختصة (المحاكم التجارية غالبا) وبمبادرة وطلب من الجهة المُفلسة نفسها أو من الدائنين أو من الدولة.
وتدرس المحكمة طلب إعلان الإفلاس وفقا لمسطرة قضائية محددة من أجل التأكد من توفر واستيفاء جميع شروطه، قبل النطق بالحكم الذي تكون له تبعات قانونية على المُفلس.
إذا تعذر على الجهة المفلسة تدبير ضائقتها المالية عبر الوصول إلى حلول ودية مع مجموع الدائنين (إعادة جدولة للديون مثلا) أو من خلال البحث عن مستثمرين جدد لضخ أموال إضافية، أو تصفية أصل من الأصول المملوكة للشركة (عقار مثلا) أو أي وسيلة من الوسائل الأخرى الممكنة، فإن القضاء لا يجد محيدا عن إعلان حالة الإفلاس.
وتترتب على هذا الإعلان عدة تبعات قانونية قد تصل إلى حد العقوبة الحبسية في حق المُفلس.
وتقضي المحكمة، وفقا لحالة المفلس ومدى عسره المالي، بأحد أمرين:
إما أن تعين وصيا على الشركة المفلسة (قد يكون محاميا أو خبير حسابات معتمدا عند المحاكم) كي يسهر على تدبير شؤونها أملا في تقويم وضعها المالي، والوصول إلى حلول مع الدائنين تضمن استمرارية الشركة وتحول دون فقد العمال لوظائفهم.
– وإما أن تأمر بتصفية أصول وممتلكات المفلس، وبيعها في مزاد علني. وتعيِّن لهذه الغاية قاضيا يتكفل بإدارة هذه العملية وسداد مستحقات الدائنين، ويرتب تعويضهم وفق أهمية كل دائن (صاحب امتياز أم دائن عادي) في حال ما إذا كانت الأموال المتحصلة من البيع غير كافية لسداد جميع الديون.
إذا قضت المحكمة بالخيار الأول، وظهر لها بعد حين من الزمن أن مسطرة التقويم وإعادة الهيكلة تعجز عن تصحيح الاختلالات المالية للشركة المفلسة، فإن القضاء يتجه إلى الخيار الثاني، والمتمثل في تصفية الشركة.
ويمكن أن يتعرض المفلس أو القيمون على إدارة الشركة المفلسة لمتابعات قضائية إذا ثبت تورطهم ومسؤوليتهم المباشرة، من خلال التلاعب أو الاحتيال، في الوضع الذي آلت إليه ذمتهم المالية. وقد تصل هذه المتابعات إلى حد العقوبة بالسجن.
وفي الوضع المحلي نجد أن اللائحة التنفيذية لقانون الإفلاس لا تسمح بضبط وإحضار المفلس وحبسه مع المجرمين ، فهل تصبح ” التفليسة ” فرصة للتهرب من السداد وانتهاء الاستحقاقات المالية غلى من يعلن افلاسه
القانون في دوله الكويت ، يتضمن أكثر من 300 مادة وتهدف تلك المواد إلى تغيير هيكل مؤسسات الإفلاس ووضع دوله الكويت في مصاف الدول المتقدمة. يٌعيد القانون تنظيم الإطار القانوني لأحكام الإفلاس ، وقد تم تضمينه في قانون التجارة رقم 68 لعام 1980 ، ثم إدخال نظام تسوية وقائية لإعادة الهيكلة لإنقاذ المشاريع التجارية. ليسمح للمفلسين بإعادة بدء أعمالهم عن طريق التنازل عن الديون المتبقية المتعلقة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ، ويمكّن الشركات التي تعاني من مشاكل لأسباب خارجية ومؤقتة من الحصول على الحماية اللازمة من الدائنين لتحقيق الأهداف الإقتصادية للشركة بشكل خاص ولدوله الكويت بشكل عام.
ويبدو أن القانون صدر وفقاً للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وكذلك الميثاق العربي لحقوق الإنسان،و يتعيّن توفير الحماية العامة للجميع من الحبس على الالتزامات التعاقدية، سواءً كان الشخص تاجراً أو مديناً، أخذاً بالاعتبار أن هناك علاقة دائنية مركبة قد تنشأ بين التاجر والمدين.ولاشك أن قانون الإفلاس يستقيم مع أفضل الممارسات العالمية في هذا الخصوص، وحججه القانونية والاقتصادية تتقاطع على أن ضرر الحبس في هذه الحالة أكبر بكثير من جدواه.
ويبدو أن إلغاء حبس المدين عن ديون مدنية جاء بعد دراسة مستفيضة، مؤكدة أن إقرار القانون خطوة للأمام ويحسّن منظومة التشريعات القانونية الاقتصادية والتجارية بشكل عام وأحكام الإفلاس الواردة في قانون التجارة الحالي خاصة، لا سيما أن الاقتصاد شهد تطوراً كبيراً في السنوات الماضية، ضمن إستراتيجية مواكبة الانفتاح الاقتصادي.
وأري أن ضرر الحبس في هذه الحالة أكبر بكثير من جدواه خصوصاً أن الحبس سيكون قصير المدة ومن مبررات عدم الحبس أن الاختلاط بمرتكبي الجرائم قد يحول المدين إلى مجرم، علاوة على أن حبس المدين في الالتزامات التعاقدية يخالف حقوق الإنسان ويتنافى مع كرامته، إضافة إلى أنه بخلاف ما يعتقده البعض يعطِّل حبس المدين قدرته على سداد الدين ولا يحفزه، موضحة أن إلغاء الضبط والإحضار جاء ضمن رؤية متكاملة لتحسين بيئة الأعمال الكويتية
وحيث إن حبس الأفراد لم يعد ممارساً بالدول الغربية وأميركا ودول عربية، وبالتالي فإن الإلغاء يستهدف تحقيق أهداف رئيسية، أبرزها مسايرة أفضل الممارسات والأعراف الدولية، والنظم القانونية للسلطات الرقابية، كما يأتي ضمن خطط تحديث البيئة التشريعية المحلية، وبما يواكب المتغيرات في ضوء سياسة الإصلاح الاقتصادي لكن يظل السؤال هل سينطبق ذلك علي الأفراد المدينين بمبالغ بسيطة كقروض استهلاكية أو قرض شخصية ولم يتمكنوا من السداد في الوقت المناسب وقد يتعثر البعض بصورة متعمدة ،لذا وجب تحقيق التوازن في إحقاق الحقوق وردها لأصحابها
من أهم ميزات قانون الإفلاس
إنشاء إدارة خاصة للإفلاس على غرار إدارة تنفيذ القانون، مما يعطي قضية الإفلاس خصوصية وإلحاح في التنفيذ. مع الأخذ في الإعتبار بخصوصية الإشراف من قبل السلطات الخاصة ، فإنه يوفر أيضًا المرونة اللازمة للبنك المركزي وهيئة سوق المال والهيئات التنظيمية الأخرى لصياغة قواعد خاصة لهم. ويتضمن القانون تعديلات تدعم دائرة الإعسار لتخصيص كوادر محاسبية مخصصة لتقديم التوصيات للمحكمة. كما يسمح بتشكيل لجان الإفلاس ذات الخبرة المالية والقانونية، ويمكن أيضًا التخرج بوقف وقائي للمدفوعات.
وبموجب القانون الجديد( قانون الإفلاس ) سيتم بمجرد افتتاح إجراءات التسوية الوقائية وإعادة الهيكلة توقّف المطالبات، ولا يُمنع المدين من الإستمرار بإدارة أمواله أو الحصول على تمويل جديد وعزله عن الدائنين السابقين، بالإضافة إلى تسهيل عملية الإخطارات اختصاراً للوقت، مع تمكين أطراف الإفلاس من الإستفادة مما يعرف بالغرفة الإلكترونية. ونص القانون على إلغاء النظرة العقابية للإفلاس للمتعثّر حسن النية، وعدم حرمان المفلس من مباشرة الحقوق السياسية والعضوية في المجالس النيابية والوظيفة العامة إلا في حال كان الإفلاس بالتدليس، كما تضمن إصلاحات هيكلية عبر تنظيم إدارة الإفلاس، والمختصة بنظر طلبات التسوية الوقائية وإعادة الهيكلة، بحيث تتكون إدارة الإفلاس من قضاة، وتشرف على إجراءات الافلاس من خلال أوامر وليس من خلال أحكام أو إجراءات تقليدية.
علما بأن دائرة الإفلاس تتشكل من دائرة أو أكثر وتتكون من ثلاثة مستشارين يعاونهم مختصون بالمحاسبة والتى ينحصر دورها في شهر الإفلاس والنظر في المنازعات في تطبيق القانون ، حيث أن القانون منح محكمة الإستئناف اختصاصا في نظر الطعون على قرارات الإفلاس والأحكام القضائية لتصبح هذه الطعون نهائية
وكما هو معروف أن لجنة الإفلاس تشكل من ذوي الخبرة المالية، حيث أسند لها القانون الإشراف على إجراءات إعادة الهيكلة والإفلاس والصلح بشأن الديون الخاضعة لإشراف اللجنة، وإبداء الرأي في خطة إعادة الهيكلة والصلح، وخطة تصفية أموال المدين وتوزيعها على الدائنين، كما خصها باختيار الأمناء والمراقبين وتحديد أتعابهم وإبداء الرأي في مصروفاتهم، إضافة إلى الأمور التي تكلف بها من محكمة وإدارة الإفلاس وفقاً للقانون. لذلك كانت هناك أثار ايجابية للإفلاس وهو لا يهدر الحقوق بقدر ما يعد عملية تسوية للمدين وهو أفضل بكثير من حبسه واضاعة الحقوق !!



