أهم الاخبارمقالات

بيتنا القديم… خريطة تنمية

مقالات

 

بقلم  د. محمد جميل الشبشيري:

حينما قررت أمي أن تنضم إلى صفوف دراسة الفقه الإسلامي في الكويت ضمن برنامج وزارة الأوقاف، لم تكن تبحث فقط عن شهادة، بل عن فهم أعمق للدين. كان هذا المنهج المتطوّر يدمج بين تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية، ويقدّمه بأساليب تفاعلية حديثة، تبتعد عن الجمود وتغرس في الدارس وعيًا دينيًا راقيًا ومتوازنًا. كانت الأهداف واضحة: إعداد جيل مسلم يعرف دينه، ويفهم كيف يعيش به في واقع متغيّر.

لكن ما كان لافتًا، أن أمي رغم سنواتها الدراسية، كانت دائمًا تعود في حديثها إلى شخص واحد: جدّي محمود. لم يكن عالمًا ولا أكاديميًا، لكنه كان رجلًا فطِنًا، عاش الدين لا كمجموعة فتاوى، بل كأسلوب حياة. كانت تجد في سلوكياته اليومية ما تدرسه في كتب الفقه، وكأنّ الكتب جاءت تشرح ما كان يفعله.

نشأ جدّي في بيت ريفي بسيط، لكنه كان عميق الجذور. تربّى على يد أمه “طيبة” — نعم، هذا كان اسمها، وكأنه استعادة رمزية لعاصمة مصر القديمة، بكل ما فيها من وقار وحكمة. كانت “طيبة” امرأة استثنائية، رُزقت بسبعة من البنين وثلاث من البنات، واستطاعت أن تصنع من كل واحد منهم قصة نجاح صغيرة.

قسّمتهم كأنها تخطّط لمستقبل دولة: واحد في الزراعة، وآخر في النقل، وثالث في التجارة، ورابع في الضيافة، وكأنها تبحث عن الصناعات الضرورية والرائجة في زمنها. لكلٍّ بيته ومهنته ومسؤولياته. حتى المحاصيل كانت تُوزع بدقة، والضيوف يُستقبلون في “المضيفة” لا في البيت، حفاظًا على حرمة الأسرة وخصوصيتها.

كانت أمي، حين تحكي، لا تجد من تُشبّه جدّتي “طيبة” به سوى شخصية “فاطمة تعلبة” كما أدّتها هدى سلطان في مسلسل “الوتد”. تلك الأمّ التي لم تكن فقط تدير بيتها، بل تدير حياة أبنائها بالكامل: تزوّجهم، تختار لهم، وتوجّههم، ولا أحد يجرؤ أن يعارض رأيها. كانت حازمة لكنها حنونة، بسيطة في مظهرها، عميقة في تدبيرها.

في وسط هذه العائلة الكبيرة، كان الحاج درويش كبير البلد وحكيمها، يُرجَع إليه في القرارات الكبرى. عبد العزيز كان يتولى الزراعة، وعيسى مسئول عن النقل، وطلبة يُشرف على كيل المحاصيل. صادق كان التاجر الذي يطوف الأسواق، وعبد الباقي راعي الأغنام. أما طاهر، فكان يستقبل الضيوف ويُكرمهم، كالسند الذي لا يغيب.

عائلة بكامل مكوّناتها توزعت على قطاعات اقتصادية حقيقية، قبل أن تُعرف نظريات التنمية الشاملة. ومع هذا التنظيم الدقيق، بقيت “طيبة” — الجدة، الأم، القائدة — تدير المشهد بهدوء وإتقان. كانت نموذجًا في الإدارة غير الرسمية، لكنها الأكثر تأثيرًا.

تقول أمي دائمًا: «لم يكن التعليم فقط في الكتب، بل في المواقف». وحقًّا، كثير من القيم التي غُرست فينا — كالكرم، والانضباط، والحكمة، والبساطة — لم تأتِ من القاعات الدراسية، بل من حياة جدّي، من غرفة الطابق العلوي حيث كانت تُخزّن البطاطا الحلوة، ومن لحظة تقديم الزكاة مع بعض الحلوى، لأنّ الصدقة يجب أن تُفرح قبل أن تُشبع.

وهنا تتّضح الصورة: الأجداد ليسوا فقط صلة دم أو صورًا معلقة على الجدران. هم رواة الحياة، حاملو القيم، وأول المدرسين الحقيقيين في تاريخنا الشخصي. بل لعلهم أحيانًا يتفوّقون على التعليم الرسمي، لأنهم يغرسون المعنى لا المعلومة.

وفي زمننا هذا، الذي تتسارع فيه الحياة وتتشابك فيه التحديات، ربما يكون الرجوع إلى تلك الجذور، إلى حكمة الأجداد، أحد مفاتيح النجاة. لا نرفض العلم، بل نمزجه بحكمة من سبقونا. نؤسس لمستقبل متوازن، نستند فيه إلى طيبة جدّتي، وعقل جدّي، وصبر أمي.

رحم الله جدي، وبارك في أمي، ودامت هذه الحكايات نبراسًا يضيء لنا الطريق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى