اخبار محلية

بسيل من مداد الأقلام نافح أدباء الكويت عن ثرى الوطن إبان محنة الغزو العراقي الغاشم

الكويت – غلوبل  – منذ فجر الثاني من أغسطس عام 1990 عندما غزت قوات النظام العراقي البائد البلاد تجلت معاني فداء الكويتيين للوطن والذود عن ثراه وكل ما احتواه فمنهم من دافع عنه بالأرواح ومنهم من انخرط في مقاومة المعتدي بالعدة والعتاد والسلاح ومنهم من تصدى بسيل من مداد الأقلام لظلم الجار الذي في الأفق لاح ولحرمة الأرض ولكل ما فيها وعليها ولدم الشقيق استباح.

الأديبة الدكتورة الشيخة سعاد الصباح

فالأدب بمختلف صنوفه من شعر ونثر وقصص وروايات ومذكرات كان حاضرا في مشهد ملحمة الكفاح والصمود الوطنية البطولية خلال فترة الاحتلال العراقي لدولة الكويت وفي أعقابه معبرا عن الحق الكويتي وعن معاناة أهل الدار من ظلم المعتدي وقمعه ووحشية جرائمه التي اقترفها من قتل وتدمير وإبادة كل ما يمت للإنسانية وللكويت العزيزة بصلة فبالجهاد الأدبي والفكري وثقت تلك المرحلة بكل تشعباتها وحيثياتها مؤسسيا ومجتمعيا وشخصيا وعلى كل المستويات الأخرى.

وعن هذا التوثيق تحدث عدد من الأدباء الكويتيين في لقاءات متفرقة مع وكالة الأنباء الكويتية (كونا) اليوم الأحد مبرزين أهمية الدور الذي مارسه النتاج الأدبي الوطني الشامل في مقاومة وتأريخ العدوان العراقي الآثم على دولة الكويت الذي استمر قرابة سبعة أشهر وصادفت ذكراه الأليمة الـ 33 الثاني من أغسطس الجاري.

وفي هذا السياق قالت الأديبة الدكتورة الشيخة سعاد الصباح “لقد كان الأدب بالنسبة لي قبل تلك الأيام ملاذا وعندما اختطف الوطن وحدثت الكارثة تحول الشعر إلى كتيبة تقدمت إلى الصفوف الأمامية فقررت أن أكتب بالرصاص بدلا من الحبر”.

وتابعت أن “كل الفنون وليست المكتوبة والمنطوقة فقط كانت وسيلة دفاع مهمة عن الوطن مثل الكاريكاتير والفن التشكيلي والمسرح والأعمال الإذاعية إذ تحولت إلى جيوش في خدمة الكويت دفاعا عن الحق والقضايا العادلة”.

وأعادت الشاعرة سعاد الصباح إلى الأذهان جانبا من حراكها الأدبي خلال فترةالغزو قائلة إنها أصدرت كتاب (هل تسمحون لي أن أحب وطني) ومن ثم أنتجت ديوان (برقيات عاجلة إلى وطني) وأشعارا مغناة مثل الملحمة الشعرية (نقوش على عباءة الكويت) و(نحن باقون هنا) التي أداها نجوم الفن والغناء في الخليج العربي مبينة أن هذه “الأعمال مازالت مطبوعة في ذاكرة الكويت والخليج وتشرح الصورة بشكل واضح”.

وأضافت أن تلك الأعمال آزرتها وساندتها عطاءات أدبية كثيرة دعمتها ونشرتها (دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع) بفتح الأبواب للشباب وطبع نتاجهم الشعري والقصصي الذي تناول تلك الفترة.

وبسؤالها عما يعرف بالقوة الناعمة للأدب ذهبت الدكتورة الصباح إلى وصفها بـ”القوة الضاربة فالدول بلا آداب تذبل وتتلاشى” معربة عن قناعتها بأن”الأدب هو المرآة لماحدث والصورة بأوجاعهاالثلاثية” وفقا لتعبيرها.

الأديب الكويتي طالب الرفاعي

من جهته أكد الأديب الكويتي طالب الرفاعي أهمية الأدب في المناضلة عن الحق الكويتي شارحا أنه لم يقتصر على أدباء الكويت إنما تعدى إلى المثقفين العرب الذين قال إنهم سجلوا مواقفهم المشرفة المساندة لقضايا الكويت الشرعية العادلة.

واستشهد في هذا الإطار بالدور الإيجابي للروائي السوري هاني الراهب عازيا هذا الدور لـ”الوصل الثقافي العربي” الذي مدت جسوره الكويت حتى قبل استقلالها عام 1961 من خلال إصداراتها حيث زرعت مجلة (العربي) في كل زاوية في الوطن العربي وأدخلتها كل بيت وكذلك سلسلة (المسرح العالمي) إضافة إلى جميع السلاسل والإصدارات الأخرى للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

وبين أن الكتابات الأدبية الكويتية بدأت منذ اليوم الأول من الغزو العراقي الغاشم متجسدة في الشعر ومن ثم القصص القصيرة وتاليا جاءت الرواية مستذكرا مجموعة ممن لهم بصمة في ذلك أمثال المرحوم الشاعر فايق عبدالجليل والروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل وغيرهما من الأسماء التي صدحت في الدفاع عن الحق الكويتي مشيرا إلى مساهمته في ذلك بمجموعة قصصية (أغمض روحي عليك).

وقال الرفاعي إن هذه الأسماء المرموقة أدبيا أظهرت في أعمالها معاناة الكويتيين وفضحت الممارسات الوحشية والقمعية للنظام العراقي والتي أصابت الكويتيين من نساء ورجال وشيوخ وأطفال مشددا على أنها أضرت بالإنسان والبيئة في الكويت “فلم يسلم البحر من الأذى وأشعلت النيران في أبار النفط وتلوث الهواء مشكلا غمامة سوداء خانقة ” تجاوزت الحدود الكويتية إلى مناطق بعيدة.

وعبر عن رؤيته للأدب باعتباره بمختلف أشكاله موثقا للأحداث “يبقيها دائما حاضرة” مشيرا إلى أن ما يميز الأعمال الأدبية عن الأعمال التقريرية هو قدرتها على “الغوص في النفس البشرية وجعلها تتحدث عن معاناتها وآلامها وآمالها ويشرك القارئ فيها بعاطفته وأحاسيسه”.

ولفت إلى أن للكلمة قوة ناعمة في التأثير على مختلف شرائح المجتمع وتكوين قناعاتهم وآرائهم “فمختلف الأنظمة تعلم مدى تأثير الكلمة والكتاب على الأفراد”.

الأديب الكويتي وليد الرجيب

أما الأديب الكويتي وليد الرجيب فشارك زملاءه التأكيد على أهمية الأدب والفن بوصفهما “أفضل وسيلة لحفظ التاريخ ” مشيرا إلى رسوخه في العقول لاسيما في ذاكرة الأجيال الصغيرة مسترسلا بالقول “فالأدب يتعلق بالخيال والمشاعر ويتسم بأسلوب إبداعي وليس توثيقيا جامدا يمكن تحريفه بسهولة عبر الزمن”.

وأوضح أن النماذج الكويتية الأدبية التي تناولت بأعمالها فترة الاحتلال كانت في الغالب موجودة في الكويت واستذكر الأدوار البارزة على هذا المستوى لكل من ليلى العثمان وثريا البقصمي وسليمان الشطي وغيرهم من الأدباء مشيرا إلى تفاعل مجموعة منهم كانت موجودة خارج الكويت مع الحدث أثناء فترة الاحتلال كالأديب خليفة الوقيان.

ورأى أن “توثيق الأدب للتاريخ أصدق بكثير وأكثر تأثيرا من الأفلام الوثائقية والصور الفوتوغرافية” معللا ذلك بالقول إن “الأدب يفرغ المشاعر في الكتابات على عكس الأفلام الوثائقية”.

وفي المعنى نفسه قال إن “المشاعر هي أكثر ما يرسخ في عقل الإنسان وان كلا من الأغنية والحكاية تستخدم في التربية والتعليم لحفظ لمعلومات في عقول الأطفال”.

وشدد الرجيب على أن كل الدول تعتبر الثقافة بشكل عام والأدب والفن بشكل خاص من أهم القوى الناعمة التي تستخدمها لتأكيد هويتها وسيادتها متابعا أن هذا الأمر انعكس جليا في المواقف المساندة للكويت “فكثير من الدول وقفت معنا بسبب حضور بلدنا الثقافي وسمعته كمركز تنويري متألق”.

ونبه إلى أن النظام العراقي في محاولته للسيطرة على الكويت العصية على العدوان استهدف في البداية “الرموز الثقافية مثل جامعة الكويت والمناهج التعليمية ووسائل الاعلام” مشددا على أنه “لا يمكن السيطرة على شعب بدون تغيير هويته الثقافية” مستذكرا فشل النظام العراقي البائد في ذلك بسبب مقاومة الشعب الكويتي والدفاع عن هويته الوطنية والثقافية.

وفي الختام فإن المتبحر في أعماق التاريخ الكويتي خاصة في موروثه الثقافي والأدبي ستبرق في ناظريه أنبل نماذج الصمود والبسالة والتضحية والعطاء التي فدا بها الأبناء أمهم الكويت حتى تم طرد العدو وتطهير أراضيها من دنس الجنود الطغاة الغادرين المعتدين وعادت الشرعية الكويتية إلى موئلها بكل رونقها وألقها وسيادتها. ولعل من أصدق الأمثلة على ذلك استشهاد الشاعر فايق عبدالجليل الذي لم يتوان في واجبه أبدا إبان فترة الغزو رغم أن الحركة الأدبية الكويتية كانت مستهدفة برمتها ورموزها وتحت الخطر الشديد إلا أنها استمرت شامخة صامدة كما فعل الشعب الكويتي في وجه كل التحديات ممارسة دورها الوطني البطولي في التوثيق والتصدي للاحتلال العراقي المشين وتأريخ هذه الفترة المصيرية لتبقى محفورة في الذاكرة والوجدان والقلوب على مدى الأجيال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى