أهم الاخبارمقالات

رحيلك لم يُطفئ نورك يا أبي

بقلم د. محمد جميل الشبشيري

إلى من علّمني أن البركة في الحياة لا تُقاس بالسنين، بل بما تتركه في القلوب

رحل والدي سريعًا، ولم يتجاوز نيفًا وأربعين عامًا من عمره. لم يكن مرضه طويلًا، لكنه كان فاصلًا في حياتنا، إذ ترك وراءه حلمًا كبيرًا يسكن قلوبنا، وطموحًا نقتفي أثره كل يوم. كانت أسرته عالمه ومحلّ اهتمامه، كل جهده وسعيه كان لأجلنا.

كان يبدأ يومه منذ الفجر، يعبر شوارع القاهرة من شرقها إلى غربها، ويجوب محافظات مصر من شمالها إلى جنوبها، باحثًا ومجتهدًا في عمله بوزارة الزراعة، وتحديدًا في معهد بحوث وقاية النباتات. كان القطن، “الذهب الأبيض”، قضيته العلمية، وكانت الأبحاث عنه شغفه، يحدثني كل عام عن فكرة جديدة، أو أداة مبتكرة، يشرحها لي بفخر العالم المحبّ.

وعندما يعود إلى المنزل، لم يكن يركن إلى الراحة، بل يجلس بيننا بكل طاقته، يراجع لهذا، ويذاكر مع ذاك، ويحتوينا كأننا مشروع عمره. بل كان يضم إلينا أبناء عمومتنا، يساعدهم بمحبة في إنجاز دروسهم، لا يميز بيننا، ولا يُقصي أحدًا. كانت التربية والتعليم بالنسبة له رسالة، كما كانت الزراعة بحثًا.

كان والدي يجيد اللغة الإنجليزية بطلاقة، وغالبًا ما كان يتردد قبل عرض بحوثه في الاجتماعات التي يحضرها أجانب، لكنه كان يقدّم علمه بثقة وإيمان برسالته. كان يحب عمله ويخلص له، مؤمنًا أن الحلال هو طريق البركة، ومفتاح رضا الله، وسرّ السعادة في الدنيا والآخرة.

رزقه الله أربعة أبناء وبنتًا واحدة، وكنتُ أنا أكبرهم. عشنا في بيت بسيط، لكنه كان دافئًا بحبه وحضوره. رحل عنا في وقت حرج من أعمارنا: كنتُ أنا في المرحلة الجامعية، وأختي في البكالوريوس، وأحد إخوتي في الثانوية العامة، وأصغرنا لم يتم بعد المرحلة الابتدائية، أما آخر العنقود، فلم يكن قد أتم عامه الرابع.

منذ لحظة وفاته، اجتمعنا حول أمي، نُحاول أن نثبت أن من أحب والده بصدق، لا ينساه عند الشدة، بل يُتمّ ما بدأه. ومن هنا، أصبح النجاح والتماسك هو عنواننا، رغم أن السند قد رحل.

فالأب ليس مجرد رجل، بل وطن وسقف وسند. هو اليد التي تمسك بك حين تخذلك الحياة، هو الصوت العميق الذي يكفي لتشعر بالأمان، حتى وإن قال القليل.
وما الأبُ إلا جَنّةٌ، إن غابَ ظلُّها…
تقطّعت الأرواحُ من شوقٍ ومن فَقدِ.

حين غاب، تاهت الخطى، وتبدد الدفء من الأماكن، ولو كانت في عزّ الصيف. لكنه – رغم الغياب – لم يتركنا فراغًا؛ بل ملأ قلوبنا بقيمه: كيف نكون بارين، صادقين، متماسكين كأسرة، نُقيم الصلاة، ونصوم بنية الاجتماع، ونتحرّى الحلال في أقوالنا وأعمالنا، ونفرح بالجمعة العائلية؛ تلك التي كان يقطع لأجلها مئات الكيلومترات من عمله، ليجلس على مائدة الإفطار معنا.

كان والدي بركة تمشي على الأرض، وسيرة عطرة، ما زالت تفوح في حياتنا، ودعاؤه ما زال يضيء دروبنا. أذكره أمام المدرسة، ينتظرني بابتسامته، يسألني ويستمع، وكأنني الابن الوحيد، ويضع في جيبي أوراقًا نقدية جديدة، لأشعر أنني ملكٌ مع كل نهاية امتحان.

والبركة لم تكن بالنسبة لأبي مفهومًا دينيًا فحسب، بل كانت مسارًا عمليًا في حياته.
هي في جوهرها قيمة اقتصادية راشدة، تتحقق حين يُوفقك الله إلى القرار السليم، بفضل معيته وتوكلك عليه، واستخارتك له في خطواتك.
على المستوى الفردي، كانت تظهر في تحريه الحلال، مصداقًا لقوله ﷺ: “أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة”.
وعلى المستوى التجاري، كانت البركة تنزل بالأمانة، كما في الحديث: “أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما، فإذا خانه خرجت من بينهما.”
وهكذا، كانت حياة والدي شاهدة على أن البركة ليست حظًا عابرًا، بل نتيجة لصدق النية ونقاء السعي.

رحمك الله يا أبي الحنون، وجزاك عنا خير الجزاء، وجعل الجنة دارك، ونوّر قبرك، ورفع منزلتك كما رفعتنا بحنانك وقيمك.
طبت حيًّا وميتًا، وستبقى في قلوبنا دائمًا، نبراسًا نستنير به ما حيينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى