شبح الموت الأسود يعود من بوابة روسيا
شبح الموت الأسود يعود من بوابة روسيا
في 14 نوفمبر عام 2019، بدأ الروس مشاهدة مسلسل اسمه “الوباء”؛ الذي عرفه الجمهور العالمي لاحقًا باسم “إلى البحيرة” (To the Lake)، عن مرض تنفسي مجهول يضرب موسكو، فتغلق المدينة، لكن السلطات تفقد السيطرة، فيما يحاول الناجون الهرب شمالًا بحثًا عن مأوى معزول.

ثم تصبح الحكاية أكثر قتامة، رجال يظهرون بزي قوات الأمن يجمعون سكان مناطق مصابة بذريعة الإجلاء، قبل أن يقتلوهم. الحلقة الخامسة اختفت من منصة العرض الروسية بعد يومين من نشرها في ديسمبر، ما أشعل وقتها تكهنات بتدخل الرقابة؛ قبل أن تعود لاحقًا.
المفارقة العجيبة في هذا العرض كانت في توقيته، فبينما كانت حلقات المسلسل تُعرض في ديسمبر 2019، كانت ووهان الصينية ترصد حالات “التهاب رئوي مجهول السبب”.
وفي 31 ديسمبر علمت منظمة الصحة العالمية رسميًا بالتجمع المرضي؛ ولم يُحدد فيروس كورونا الجديد مسببًا له إلا في يناير 2020.
لم يكن المسلسل نبوءة، لكنه زرع صورة يصعب نسيانها تزامنت مع حدث عالمي مشابه، حيث ينتشر مرض غامض، وسط نقص في المعلومات، وإجراءات استثنائية تسبق معرفة الحقيقة.
الآن وبعد نحو سبع سنوات، عادت الصورة من سيبيريا مجددًا، لكن ليس بهدف النجاة من وباء كما في المسلسل، بل خوفًا من تفشٍ جديد في الواقع.
الطاعون يدق الأبواب
– “داريا شيبيلوفا”، هي فنية مختبر عمرها 28 عامًا، كانت تعمل في معهد “إيركوتسك” لأبحاث مكافحة الطاعون في سيبيريا والشرق الأقصى. مرضت في نهاية سبتمبر، ودخلت المستشفى، ثم توفيت بعدما شُخصت حالتها رسميًا بأنها “التهاب رئوي مجهول السبب”.
– من هنا بدأت النسخة الواقعية من لعبة “المعلومات الناقصة”، حيث تحدثت تقارير إعلامية محلية عن احتمال إصابتها بالطاعون بعد حادث داخل المختبر.
– أما السلطات الروسية فنفت العثور على دليل على وقوع حادث يتعلق بمسببات مرضية، وقالت إن الفحوص الموسعة لم تجد كائنات دقيقة مرتبطة بطبيعة عملها. لكن الاحتياط كان واسعًا.

– مستشفى في شيليخوف وُضع تحت الحجر، وعُزل عاملون، ووُضع ما يقرب من 200 شخص تحت المراقبة وفق تقارير تابعتها المفوضية الأوروبية؛ فيما سافرت “آنا بوبوفا” رئيسة هيئة “روسبوتريبنادزور” الروسية (تلعب دورًا رئيسيًا في مكافحة الأوبئة) إلى المنطقة.
– حتى اليوم الخامس من أكتوبر قالت السلطات إنه لم تظهر حالات جديدة بين موظفي المعهد.
– ليست هذه أول إصابة بشرية بالطاعون في روسيا منذ عقود كما أشارت بعض التقارير، حيث تظهر البيانات الرسمية حالة بشرية واحدة في كل من أعوام 2014 و2015 و2016 في جمهورية ألتاي؛ أي إن آخر حالة مؤكدة كانت قبل نحو عشر سنوات.
– وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” قال إن القضية تستحق المتابعة لكنها ليست سببًا للهلع حاليًا، بينما قالت المفوضية الأوروبية إنها تراقبها “عن كثب شديد” بالتنسيق مع المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض.
لماذا يخيفنا اسم الطاعون؟
– يرجع ذلك لحقيقة أن مسبب المرض “اليرسينيا الطاعونية” ليست فيروسًا مثل “سارس كوف 2” وإنما بكتيريا.
– الفيروس يعتمد على خلايا الجسم كي يتكاثر، بينما البكتيريا كائن خلوي مستقل نسبيًا يمكن استهداف كثير من أنواعه بالمضادات الحيوية، وهذه نقطة تغير الحساب كله: الطاعون يمكن علاجه بالمضادات الحيوية إذا اكتُشف مبكرًا.
– له ثلاثة أشكال رئيسية: طاعون دبلي يصيب العقد الليمفاوية، وإنتاني ينتشر في الدم، ورئوي يصيب الرئتين. والأخير هو الأكثر إثارة للقلق، لأنه يمكن أن ينتقل بين البشر عبر الجسيمات التنفسية، وقد يصبح قاتلًا سريعًا إذا لم يبدأ العلاج.
– لكنه ليس “كورونا جديدًا”، فمراكز مكافحة الأمراض الأمريكية تقول إن انتقال الطاعون الرئوي يحتاج عادة إلى اتصال مباشر وقريب بالمصاب، ومع ذلك، من الخطأ اعتبار الطاعون عاجزًا عن الانتشار.

– في تفشي مدغشقر عام 2017، قدّرت إحدى الدراسات أن المصاب الواحد كان قادرًا، في المتوسط، على نقل العدوى إلى نحو 2.4 شخص في بداية التفشي وقبل احتواء المرض.
– هذا معدل يكفي لإشعال موجة وبائية إذا تُركت العدوى بلا تدخل، فما دام كل مصاب ينقل المرض إلى أكثر من شخص واحد، يستمر عدد الحالات في الزيادة.
– لكن الرقم ليس خاصية ثابتة للطاعون؛ إذ يتغير بشدة بحسب كثافة المخالطة، وسرعة اكتشاف المرض، وعزل المصابين، وإعطاء المضادات الحيوية للمخالطين.
– هذا ما حدث في مدغشقر؛ إذ نجحت إجراءات التتبع والعلاج والوقاية في كسر سلسلة الانتقال واحتواء التفشي.
– هنا نعود لقصة “إلى البحيرة”، فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما يكون المرض مخيفًا، بل عندما تسبق العدوى قدرة النظام على معرفة من أصيب ومن خالطه. وهذا تحديدًا ما لم يحدث، حتى الآن، في إيركوتسك.
الموت الأسود والأسواق
– يبقى اسم الطاعون محمّلًا بإرث القرن الرابع عشر، حيث قتلت جائحة “الموت الأسود” عشرات الملايين بين عامي 1347 و1352.
– أبحاث حديثة تشير إلى أن بعض التقديرات تضع وفيات أوروبا قرب 50% من السكان، وإن كانت الخسائر متفاوتة بشدة بين المناطق ولا يوجد رقم واحد متفق عليه لكل القارة.
لكن المقارنة الاقتصادية الأقرب لذهن المستثمر ليست القرن الرابع عشر، إنها 2020.
|
تداعيات جائحة كورونا |
||
|
أثر كوفيد |
القيمة/ المدة |
التاريخ |
|
تراجع “إس آند بي 500” من القمة إلى القاع |
33.8% |
19 فبراير–23 مارس 2020 |
|
استعادة القمة السابقة |
نحو 6 أشهر |
18 أغسطس 2020 |
|
انكماش الناتج العالمي |
3.1% |
2020 |
|
خسارة الناتج التراكمية المقدرة |
13.8 تريليون دولار |
حتى 2024 مقارنة بمسار ما قبل الجائحة |
– هذه الأرقام تفسر لماذا تكفي كلمات مثل “وباء” و”حجر صحي” لإيقاظ ذاكرة الأسواق، لكنها لا تجعل كل واقعة عدوى مقدمة لانهيار اقتصادي.

– الفرضية التي قد تحول هذه القصة إلى واقع مخيف هي: ظهور حالات طاعون رئوي ثانوية مؤكدة خارج دائرة تماس ضيقة، أو إثبات تسلسل انتقال بشري لا يمكن احتواؤه بسرعة. لكن حتى الآن، نحن بعيدون جدًا عن ذلك.
– في “إلى البحيرة” كان انهيار الدولة جزءًا من الحبكة، أما في سيبيريا الآن، فيحدث العكس حتى هذه اللحظة، حيث هنا تتبع للمخالطين، وحجر، وفحوص مخبرية، ومضادات حيوية متاحة، ومراقبة دولية.
– العالم لم يجعل “اليرسينيا الطاعونية” أقل فتكًا إذا تُركت بلا علاج، لكنه أصبح أفضل بكثير في منع الشيء الذي تسبب في “الموت الأسود” وهو: منحها الوقت الكافي للانتشار من دون أن يفهم أحد ما الذي يحدث.



