الكويت تتوسع في ترسيخ البناء الأسري بقلب الأمن الوطني والتنمية المستدامة

تخطو دولة الكويت خطوات استراتيجية متسارعة نحو تعزيز منظومتها الحمائية للأسرة عبر توسيع دائرة المبادرات والتشريعات والسياسيات الرامية إلى ترسيخ تموضع البناء الأسري في قلب أمنها الوطني وحجر زاوية في مسار التنمية المستدامة.
ويمثل البرنامج الحكومي لحماية الأسرة الذي أطلقه مجلس الوزراء خلال اجتماعه المنعقد الثلاثاء الماضي تحولا نوعيا ينتقل بملف الأسرة إلى فضاء المنظومة الاستباقية عبر مشروع عابر للقطاعات تشارك فيه 12 جهة حكومية من خلال 83 مبادرة.
وحدد البرنامج إطارا زمنيا عاما لتنفيذ محاوره الستة التي تتوزع بين التشريع والتحول الرقمي والتوعية والإصلاح والتأهيل والحوكمة الإدارية والكفاءة المهنية إضافة إلى استطلاع الرأي وتحليل البيانات ومحور البنية التحتية.
وأكد وزير العدل المستشار ناصر السميط خلال شرح قدمه إلى مجلس الوزراء أن البرنامج يمثل خطوة مهمة للانتقال من المعالجات الجزئية لقضايا الأسرة إلى بناء منظومة حكومية شاملة تقوم على الوقاية والحماية والتأهيل وتجمع بين التطوير التشريعي والتحول الرقمي والتوعية المجتمعية ورفع كفاءة الجهات المعنية بالتعامل مع قضايا الأسرة والطفل.
وأشار الوزير السميط إلى أنه خلال البرنامج سيتم تدشين بنية رقمية متكاملة تشمل التقاضي والتوثيق والرؤية والاستشارات (عن بعد) ومنصة مركزية للشكاوى.
وفي شرح مماثل قدمته وزير الشؤون الاجتماعية وشؤون الأسرة والطفولة الدكتورة أمثال الحويلة أكدت أن البرنامج سيعمل على تعزيز الوقاية المبكرة من التفكك الأسري وجنوح الأحداث عبر برامج الإرشاد والتوعية المجتمعية في البيئات التعليمية والدينية والإعلامية والشبابية وسيساهم في تطوير آليات الاستجابة والحماية الفورية لحالات العنف الأسري.
وذكرت الدكتورة الحويلة أن البرنامج سيعمل أيضا على تفعيل مسارات الإحالة المؤسسية بين الجهات الأمنية والقضائية والاجتماعية والصحية وسيفعل برامج التأهيل والإصلاح وإعادة الدمج المجتمعي للأحداث والأسر المتضررة وسيعزز خدمات الدعم الاجتماعي والنفسي والصحي للفئات الأكثر احتياجا.
وأجمعت الجهات المعنية بتنفيذ البرنامج في بيان مشترك على دوره المحوري في بناء بيئة مجتمعية أكثر استقرارا وتماسكا علاوة على تعزيز جودة الحياة والحفاظ على الهوية الوطنية والقيم المجتمعية في دولة الكويت.وقد استبقت الحكومة إطلاق البرنامج بحراك تشريعي وتنظيمي واسع شمل إقرار قانون الحماية من العنف الأسري الذي دخل حيز التنفيذ منتصف مارس الماضي حيث يمثل تحديثا تشريعيا متكاملا يرمي إلى تعزيز منظومة الحماية والوقاية مستندا إلى إطار قانوني أكثر شمولا وفاعلية لتحصين الأسرة وضمان استقرارها.
ويجسد القانون الذي حمل 31 مادة التزام الدولة الدستوري والاجتماعي بحماية كيان الأسرة وتعزيز استقراراها بوصفها اللبنة الأساسية للمجتمع حيث أرسى دعائم الوقاية من العنف الأسري والتعامل معه بما يضمن العدالة والكرامة لجميع أفراد الأسرة إلى جانب توفير بيئة آمنة تسهم في ترسيخ الاستقرار الاسري والمجتمعي.
ووضع القانون تعريفا دقيقا لمفهوم العنف الأسري بمختلف أشكاله (الجسدي والنفسي والجنسي والمالي) فضلا عن تحديد الفئات المشمولة بالحماية بشكل واضح وتنظيم آليات الإبلاغ والتدخل بما يكفل السرعة والسرية والفعالية وتكريس المسؤولية المؤسسية للدولة تجاه التصدي لهذه الظاهرة.
كما توسع القانون في التدابير المتخذة من الجهات المعنية لحفظ كيان الأسرة من خلال وضع استراتيجية لمكافحة أشكال العنف الأسري وتقييم البرامج والإحصائيات المتعلقة به.
وترافق ذلك مع اعتماد لائحة داخلية تفصيلية تنظيمية لمراكز إيواء النساء المعنفات بما يكفل الحماية والدعم المتكامل لضحايا العنف ويوفر بيئة إيوائية تراعي الخصوصية والإنسانية مسنودة بالدعم النفسي والاجتماعي والقانوني.
وحددت اللائحة التنظيمية بصورة دقيقة آليات الاستقبال والإيواء وضوابط السرية المهنية وحقوق والتزامات المستفيدات إلى جانب تنظيم الاختصاصات الإدارية والفنية داخل المركز بما يعزز الحوكمة ويرفع مستوى جودة الخدمات المقدمة.
ولم تنفصل جهود حماية الأسرة عن ملف مكافحة الآفات الاجتماعية حيث شكل المرسوم بقانون بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الذي دخل حيز التنفيذ منتصف ديسمبر الماضي درعا واقيا للمجتمع والكيان الأسري بما أسسه من إطار قانوني نوعي يزاوج بين العقوبات الرادعة وتعزيز الفرص الإنسانية عبر فتح أبواب العلاج السري والآمن لضحايا الإدمان.
وقد وسع القانون أطر الحماية للفئات الضعيفة حيث قضى في مادته الـ44 أن العقوبات التي تستوجب الإعدام في قضايا الاتجار والترويج تشمل حالة استعانة الجاني في تنفيذ جريمته بحدث أو من تولى تربيته ورعايته.
إلى جانب ذلك عزز القانون ثقافة الإبلاغ المسؤول لعلاج المدمن بما أتاحه لأحد الزوجين أو لأي من الأقارب حتى الدرجة الثالثة الإبلاغ عن المدمن بغرض علاجه مع ضمان سرية تامة للمبلغ.
وتجلت ثمار القانون الجديد في انخفاض قضايا الإتجار بالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية بنسبة 44 في المئة خلال الأشهر الأربعة الأولى منذ تطبيقه مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق حيث أظهرت إحصائية وزارة العدل للقضايا المسجلة أمام النيابة انخفاضا بواقع 111 قضية ليتراجع العدد من 255 قضية إلى 144 قضية.
وإيمانا بضرورة دمج السياسات الداعمة للأسرة تبنت دولة الكويت استراتيجية وطنية تنموية متكاملة ترتكز على حزمة محاور أساسية تشمل تصميم سياسات تكاملية موحدة تربط بين الخطط الاجتماعية والتعليمية والصحية والإسكانية بهدف خلق بيئة داعمة لاستقرار الاسرة وتعزيز تماسكها.
كما تشمل محاور الاستراتيجية التركيز على تحسين برامج الدعم المالي للأسر ذات الدخل المحدود من خلال تطوير نظام المساعدات الاجتماعية وبدل السكن والضمان الاجتماعي إضافة إلى برامج دعم الأسر المنتجة.
وكذلك تحتضن الاستراتيجية محور تعزيز الخدمات الصحية والتعليمية لأفراد الأسرة إلى جانب تشجيع التوازن بين العمل والأسرة عبر تبني سياسات مرنة لساعات العمل وإجازات الأمومة والأبوة مدفوعة الأجر.
وقد احتضن مؤتمر حماية الأسرة والطفل الذي أقيم على مدى يومين في فبراير الماضي حزمة من الجلسات النقاشية المتخصصة التي تهدف إلى الارتقاء بالممارسة المهنية وتعزيز التوعية الوقائية وتأهيل المقبلين على الزواج إضافة إلى مناقشة مسار الإصلاح التشريعي وتوظيف الخدمات الرقمية وجاهزية المباني الحكومية وتطوير مراكز الرؤية ودور محكمة الأسرة في تحقيق عدالة أسرية ناجزة وأكثر فاعلية.
ويعتبر المجلس الأعلى لشؤون الأسرة المنشأ بموجب المرسوم 401 لسنة 2006 وتعديلاته المرجعية الوطنية المعنية برسم السياسات الأسرية وتنسيق الجهود بين الجهات الحكومية إلى جانب متابعة الالتزامات الدولية المرتبطة بحقوق المرأة والطفل وممارسة اختصاصات تنفيذية مباشرة خولها له القانون.
وبموجب قرار مجلس الوزراء الصادر مؤخرا يتولى المجلس الأعلى لشؤون الأسرة متابعة تنفيذ البرنامج الحكومي لحماية الأسرة ورفع تقرير دوري كل ثلاثة أشهر يتضمن نسب الإنجاز وأبرز التحديات والتوصيات اللازمة لاستكمال تنفيذ المبادرات وتحقيق الأهداف المرجوة.
وترسخ هذه التحركات الحكومية الشاملة تشريعيا وتنظيميا ريادة الكويت في الاستثمار البشري علاوة على تكريس نهج التحصين المجتمعي الاستباقي وفق رؤية جامعة نحو مجتمع كويتي تسوده العدالة والتماسك الأسري.



