أهم الاخبارصناع القرارمقالات

هل حان للولايات المتحدة تقليد استراتيجية الصين ؟

كتاب - مقال

مقالات :

شبكة غلوبل -الإخبارية مقالات بقلم د. محمد جميل الشبشيري 

تجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، بعد عقود من التبشير بـ “السوق الحرة” وانسحاب الدولة من التدخل الاقتصادي المباشر، في مواجهة أزمة هيكلية عميقة. هذه الأزمة، التي تتجلى في تآكل القاعدة الصناعية واتساع فجوة اللامساواة، دفعت العديد إلى طرح سؤال كان يبدو مستحيلاً قبل عقد من الزمان: هل يمكن لواشنطن أن تستعيد “عظمتها الاقتصادية” عبر الاقتداء ببعض استراتيجيات خصمها اللدود، الصين؟

الإجابة هي “نعم، ولكن بشروط صارمة وحدود واضحة”. فالأمر لا يتعلق باستنساخ النموذج الصيني كاملاً، بل بانتقاء الأدوات التي أثبتت فعاليتها في بناء القوة الاقتصادية، وتطبيقها بقواعد أمريكية.

أولاً: أزمة “الدولة المنسحبة” وأرقام التراجع
لطالما اعتمدت السياسة الاقتصادية الأمريكية، منذ الثمانينيات، على افتراض أن السوق “يُصلح نفسه دائمًا”. لكن الأرقام تكشف عن ثمن باهظ لهذا الافتراض، خاصة في قطاع التصنيع الذي كان ركيزة القوة الأمريكية.

لقد تراجعت حصة التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بشكل حاد، فبعد أن كانت تبلغ 28.1% في عام 1953، أصبحت اليوم تتراوح بين 10% و 12%. هذا التراجع صاحبه فقدان هائل للوظائف، حيث انخفض التوظيف في قطاع التصنيع بنحو 6.8 مليون وظيفة بين يونيو 1979 ويونيو 2019، وهو ما يمثل انخفاضاً بنسبة 35%. كما أن العجز التجاري السلعي مع الصين بلغ حوالي 295 مليار دولار في عام 2024.

هذا التراجع في القاعدة الإنتاجية، مصحوبًا بعجوزات مالية وتجارية مزمنة، يمثل جوهر الأزمة الهيكلية. فبينما استخدمت الصين “الدولة كرافعة إنتاج”، استخدمتها أمريكا في العقود الأخيرة “كمموّل للاستهلاك والمضاربة”.

ثانياً: دروس “الدولة التنموية” الصينية
في المقابل، لم تبنِ الصين قوتها عبر السوق الحرة وحدها، بل عبر تبني مفهوم “الدولة التنموية” التي تتدخل لتوجيه الاقتصاد. هذا التدخل يقوم على ركيزتين أساسيتين: التخطيط الاستراتيجي طويل الأجل، والاستثمار المكثف في المستقبل.

1. التخطيط طويل الأجل:
الصين التزمت بأفق زمني يمتد لعقود، بعيدًا عن منطق الدورة الانتخابية القصيرة الذي يحكم السياسات الاقتصادية في الولايات المتحدة. هذا التخطيط يظهر بوضوح في تركيزها على البحث والتطوير (R&D).

2. الاستثمار في المستقبل:
أظهرت البيانات أن الصين تزيد من إنفاقها على البحث والتطوير بوتيرة تفوق الغرب بشكل كبير:

• ارتفع إنفاق الصين على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من أقل من 1% في عام 2000 إلى 2.4% في عام 2020.
• بلغ معدل نمو الإنفاق على البحث والتطوير في الصين 8.7%، متجاوزًا الولايات المتحدة (1.7%) والاتحاد الأوروبي (1.6%).

هذا الاستثمار سمح لبكين ببناء قاعدة تصنيعية ضخمة، حيث وصل الناتج المحلي الإجمالي لقطاع التصنيع الصيني إلى 33.55 تريليون يوان (4.67 تريليون دولار أمريكي) في عام 2024، وهو ما يمثل حوالي 24.86% من إجمالي الناتج المحلي الصيني.

ثالثاً: استراتيجية “الانتقاء لا الاستنساخ”
الولايات المتحدة لا يمكنها ولا تحتاج إلى استنساخ النموذج الصيني سياسيًا أو مؤسسيًا (مثل هيمنة الحزب الواحد أو تسييس النظام المصرفي). ما تحتاجه هو استعادة وظيفة الدولة الاقتصادية دون تقويض الديمقراطية أو اقتصاد السوق.

ما يمكن أن يخدم واشنطن:

• السياسة الصناعية الموجهة: كما يحدث حاليًا في قطاعات أشباه الموصلات والطاقة النظيفة، حيث يتم توجيه الائتمان وحماية الصناعات الناشئة.
• الربط المؤسسي بين البحث والتطبيق: لضمان تحويل نتائج الأبحاث إلى منتجات صناعية حقيقية.
• الانضباط الاستثماري طويل الأجل: تفضيل الإنتاج الحقيقي على الريع المالي والمضاربة.

الدرس الجوهري:
الولايات المتحدة بحاجة إلى تبني “الصبر الاستراتيجي” بدلاً من الاعتماد على “التفوق اللحظي” أو “الصدمات التكتيكية” كالعقوبات والرسوم الجمركية. فالرسوم الجمركية والقيود التكنولوجية هي أدوات دفاع، وليست استراتيجية بناء. فمن دون استثمار داخلي مكثف، تتحول المواجهة الاقتصادية مع الصين إلى مجرد “لعبة استنزاف”.

الخلاصة الاستراتيجية
إن الأزمة الهيكلية الأمريكية لا تُحل بتقليد الخصم، بل بتجاوز أخطاء الذات باستخدام أدوات أثبتت فعاليتها، حتى لو جاءت من خصم. الاقتداء بالصين لا يعني أن تصبح أمريكا صينًا أخرى، بل أن تتعلم كيف “تبني القوة قبل أن تستعرضها”.

إذا أرادت الولايات المتحدة استعادة عظمتها الاقتصادية فعلاً، فعليها أن تتعلم من الصين كيف تلعب “اللعبة الطويلة”، ولكن بقواعد أمريكية، لا بشروط صينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى