تفسير النص القانوني وقصد المشرع

مقال
ملامح من التشريع
الأصل في نصوص التشريع أن تكون واضحة محددة ومفهومة بأن تكون موضوعة بصيغة لا تثير لبس أو غموض أو عدم تحديد في شأن انطباقها على الوقائع أو الفروض التي تنظمها. لكن يحدث ألا تكون نصوص القانون على هذه الدرجة من الوضوح والتحديد. فيكشف الجانب العملي عن مشاكل في تطبيق النص القانوني، لذا يلزم تفسيرها. فما هو التفسير؟، الإجابة على هذا السؤال تقتضي البحث في المسائل التالية: تعريف التفسير، أنواع التفسير، طرق وقواعد التفسير، وأخيرا مدارس أو مذاهب التفسير.
والتفسير لغة يعنى: يقصد بالتفسير في اللغة مطلق التبيين، إذ يقال فسر الشىْ يفسره، أي أبانه.
أما تفسير النصوص القانونية اصطلاحا فيعنى التعرف على المعنى الذي ينطوي عليه النص وما يقصده المشرع من عباراته، فالوقوف على نية المشرع وإرادته التي عبر عنها بالنص التشريعي هي الغرض الذي يسعى كل من الفقيه ورجل الإدارة والقاضي إلى الوصول إليه من وراء التفسير إلا أن الخلاف يثار عندما يراد تحديد المقصود بإرادة المشرع ونيته.
وفي ضوء ذلك تعددت وتنوعت مدارس ومذاهب التفسير. وذهب فقهاء القانون بشأن المقصود بتفسير القانون مذاهب شتى، إلا انه يمكن تمييز اتجاهين رئيسيين بهذا الصدد، أولهما يضيق من مفهومه تبنته مدرسة التزام النصوص، وثانيهما يوسع من معناه وتبنته اغلب المدارس القانونية التفسير الضيق فيعني: إزالة غموض النص وتوضيح ما أبهم من أحكامه. بينما يعني التفسير الواسع: توضيح ما غمض من ألفاظ النصوص القانونية، وتقويم عيوبها، واستكمال ما نقض من أحكام القانون والتوفيق بين أجزائه المتعارضة وتكيفه على نحو يجارى متطلبات تطور المجتمع وروح العصر.
وفى ضوء ما تقدم ذهب الفقه القانوني الحديث إلى تحقيق العدالة لا يقوم على مجرد تكرار الأحكام للحالات التي تبدو في الظاهر متشابهة، أو كانت متشابهة فعلا، ولكن دونما نظر إلى عوامل الزمان والمكان، ذلك أن تطور القانون وملائمته للمستجدات والحاجات البشرية المتصاعدة والمتفرعة إلى كل الاتجاهات، لا يحصل بالتفسير الضيق والتكرار، ولكن حسن أدراك القاضي وقناعته ويقينه القائم على أساس العقل والحدس يقود إلى تلك النتيجة. و التفسير لا يتصور إلا بالنسبة للقواعد المكتوبة، أي القواعد التي تستمد من مصادرها الرسمية في ألفاظ معينة، وهذا ينطبق على القواعد التشريعية كما ينطبق على القواعد التي تستمد من نصوص الكتب السماوية، فحاجة قواعد القانون إلى التفسير تقتضى أن تكون هذه القواعد مصاغة في عبارات وألفاظ معينة، يقوم التفسير على تحديد مدلولها باختيار معنى معين للنص من بين مختلف المعاني الممكنة التي يحتملها وهو يتم عن طريق توضيح ما أبهم من ألفاظه، وتكميل ما أقتضب من نصوصه، وتخريج ما نقص من أحكامه، والتوفيق بين أجزائه المتناقضة. أما بالنسبة للقواعد غير المكتوبة كالعرف أو مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة، فان تحديد مضمونها لا يكون تفسيرا لها وإنما يتخذ شكل التثبت من وجودها أي إثباتها بمضمون معين، أي أن البحث عن معناها هو في نفس الوقت إثبات لوجودها من عدمه. فالتفسير ينصب أساسا على التشريع، باعتباره الصورة المعتادة للقواعد القانونية، يكون القصد منه الكلام عن تفسير التشريع لأنه يحتل مكان الصدارة بين القواعد القانونية كافة
ويقوم بالتفسير في الغالب القاضي والفقيه، بينما يندر أن يقوم به المشرع، ويطلق على التفسير الذي يقوم به المشرع التفسير التشريعي، وحينما يقوم به القاضي يسمى التفسير القضائي وإذ قام به الفقيه عرف بالتفسير الفقهي وهذه هي أنواع التفسير الثلاثة. أضف الى ذلك نوع رابع من التفسير – عند بعض الفقهاء – وهو التفسير الإداري الذي تقوم به جهة الإدارة.
أولا: التفسير التشريعي
وهو التفسير الذي يصدر من المشرع بقصد بيان مراده من إصدار التشريع وذلك أما لتوضيح المقصود بكلمة وردت في التشريع أو تحديد لفظ عام أو تحديد عبارة مجملة فهذا التفسير يحمل ذات صفات التشريع المفسر من حيث قوته وتاريخ سريانه ،وقد أرست محكمة النقض حق المشرع في إصدار التفسير التشريعي في عدد من الطعون المقدمة اليها
التفسير القضائي
وهو ذلك التفسير الذي يصدر من المحكمة بمناسبة نزاع معروض عليها، فاذا وجد نصا غامضا أو غير محدد فيتعين على القاضي تفسيره وللتفسير القضائي عدة خصائص تجعله متميزا عن باقي أنواع التفسير الأخرى:- تفسير عملي وذو طبيعة واقعية، حيث أن القاضي يباشر القانون بمناسبة تطبيقه للقانون على القضايا الواقعية للمعروض عليها مما يدفعه إلى الملائمة في تفسيره للنص والجانب الواقعي للخصومة.
– لا يتمتع بأية صفة إلزامية إلا بالنسبة للواقعة التي صدر من أجلها.
– ان القاضي المفسر ملزم بالتقيد بالحدود التي رسمها له القانون ولا يجوز له الخروج عنها.
– لا يجوز للقاضي أن يمتنع عن التفسير إلا أعتبر متنكرا للعدالة وعوقب طبقا للقانون.
– كما يعتبر التفسير القضائي تفسيرا غير موحد نسبيا.
كما أن هناك نوعا أخر من التفسير القضائي والمنصوص علية في المادة 192 من قانون المرافعات وهو متعلق بسلطة المحكمة في تفسير الحكم الذي أصدرته وما اعتراه من غموض أو أبهام ويعتبر الحكم الصادر هنا متمما للحكم الذي فسره ويسرى عليه نفس القواعد المتعلقة بطرق الطعن العادية وغير العادية.
التفسير الفقهي
هو التفسير الذي يصدر عن الفقهاء أثناء تعرضهم للتشريع للبحث والتحليل إلا انه لا يجوز اللجوء الى التفسير الفقهي الا في حالة انعدام النص القانوني.
وعلى الرغم من الطابع النظري لما يصدر من الفقهاء من تفسير إلا ان الارتباط الوثيق والتأثير المتبادل بين التفسير الفقهي وذلك القضائي غير منكور. فما من شك من استعانة القضاة بما يستقر عليه الفقه بشأن تفسير نص من النصوص التشريعية وتحديد مضمونه، ويتضح ذلك من الطعن رقم 65 لسنة 1985 ق – محكمة الاستئناف -جمهورية السودان
حيث ان المحكمة اخذت بالتفسير الفقهي في تعريف الغائب: ” المقصود بالغائب عند الفقهاء: هو من تعذر إحضاره لمجلس القضاء لسؤاله عن الدعوى بعيدا كان أم قريبا، ولا يعتبر غائبا من عرف مكانه وسهل إحضاره ”
” من المقرر فقها: للزوجة الحق في أخذ ما يكفيها بالمعروف من مال زوجها الغائب الذي هو تحت يدها متى كان المال من جنس النفقة كالغلال والنقود الخ وذلك دون حاجة الى القضاء أما إذا كان مال الزوج الغائب وديعة عند أحد فيصرف لها فيه ويؤمر من بيده المال بالأداء وذلك بعد أخذ الكفيل عليها يمين الاستيثاق. ”
التفسير الإدارى:
يتكون التفسير الإداري من التوجيهات التي توجهها السلطة التنفيذية الى موظفيها لتفسير أحكام القانون وكيفية تطبيقه. وهو تفسير غير ملزم إلا بالنسبة للموظفين الذي صدر إليهم.
والتفسير الإداري غير ملزم للمشرع والقضاء، وهذا ما أكده القضاء عندما أعتبر المنشور لا يقوى قوة القانون ولا يرتب مخالفته إلغاء الحكم. وتصدر التفسيرات الإدارية على شكل تعليمات أو لوائح أو منشورات وهي بمثابة قرارات ادارية تنظيمية يجوز الطعن فيها أمام القضاء الإداري. – فقد قضت محكمة النقض المصرية في 21/3/ 1982 ” المقرر في قضاء هذه المحكمة أن التعليمات الوزارية الصادرة من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ما هي الا قرارات تنظيمية غير ملزمة وليست لها صفة التشريع ”
– كما قضت المحكمة الدستورية العليا في 27/2/1982 ” بأن التعليمات العامة للنيابات هي في حقيقتها تعليمات ملزمة أصدرها النائب العام الى وكلائه وموظفي أقلام الكتاب. ويتعين على هؤلاء وأولئك باعتبارهم مخاطبين بهذا العمل تنفيذ ما يتضمنه من أوامر بصفة دائمة وبصورة منتظمة بشرط ألا تخالف قانونا قائما ”
بقلم :مستشار قانوني
محمود الصعيدي


