حين تكلّم البكاء: هل النسيان نعمة أم خيانة للذاكرة؟

بقلم د.محمد جميل الشبيشيري :
عندما أتذكر منذ أكثر من ثلاثين عامًا أول مكالمة لي مع والدتي، بعد مرور ثلاثة أيام لي في الغربة، أشعر وكأن الزمن يعود بي إلى تلك اللحظة بكل تفاصيلها. كنت في بهو إحدى محطات الهاتف العمومي، أقف أمام الجهاز المعدني الذي يبتلع القطع النقدية بشراهة، وصوتي المرتعش يتلاشى أمام بكاء والدتي التي كانت تعاتبني بألم:
“ثلاثة أيام يا ابني؟ كيف نسيتني؟”
لم يكن في نيتي أن أنساها. ولكن زخم الغربة، الإرباك، ومحاولة التأقلم مع وطن مؤقت، كلّها جعلتني أغفل الاتصال.
ثم تنتهي العملات، وأفقد صوتها فجأة. ألتفت خلفي فإذا بشباب وعمال ومغتربين، كانوا يتابعون بصمت تفاصيل المكالمة، قد بادروا بإلقاء مزيد من العملات في الماكينة… كي لا ينقطع صوت الأم. بكوا هم أيضًا، وكلٌّ كان يسمع صوت أمّه في صدى صوتها.
وحين أردت أن أدفع لهم نصيبهم من العملة، رفضوا، والدموع على وجوههم تقول: “كلنا أبناء وطنٍ واحد، وكلنا غرباء نحاول ألا ننسى.”
هل حقًا ننسى؟
أم أن النسيان هو وسيلة دفاعية تنقذنا من وجع التذكّر؟ هل النسيان نعمة تهبنا القدرة على الاستمرار، أم نقمة تسرق منا أجمل ما عشناه؟
نسأل: كيف ننسى من أحببناهم؟ كيف ننسى من أساؤوا إلينا؟ بل كيف ننسى أنفسنا أحيانًا في دوامة الحياة؟ وهل هذا النسيان معذور؟
في القرآن الكريم نقرأ:
“ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا”،
فيأتي الجواب الإلهي، كما في الحديث القدسي:
“قد فعلت”.
تلك رحمة من الله، تعفينا من ذنب النسيان غير المتعمد، وتفتح لنا بابًا للعودة.
لكن هناك نوعًا آخر من النسيان… مؤلم. حين ننسى أمًا كانت تنتظر صوتًا. صديقًا كان يحتاج سؤالًا. أو حتى خصمًا كان ينتظر صفحًا.
النسيان يصبح خيانة حين يطفئ جذوة الوفاء.
وفي عالم الاقتصاد أيضًا، للنسيان أثر لا يُستهان به.
حين تنسى الحكومات أخطاء الأزمات السابقة، تعيد إنتاجها بأسماء جديدة. وحين ينسى المستثمرون دروس الانهيارات، ينزلقون مجددًا في فقاعة الطمع.
النسيان في الاقتصاد ليس مجرد ضعف ذاكرة، بل انقطاع عن الوعي التاريخي. فبعد كل أزمة مالية كبرى، من أزمة الكساد في الثلاثينات إلى أزمة 2008، تعيد السياسات الاقتصادية في بعض الدول تكرار أخطائها وكأنها لم تتعلم.
وقد قيل: “من لا يتذكّر الماضي محكوم عليه أن يكرّره.”
ولهذا فإن الاقتصاد الواعي هو الذي يُراكم الخبرة ولا يُقصي الذاكرة، ويحفظ ملامح الأزمات في سجل القرارات، لا في متحف الأرشيف.
وكذلك الغربة، حين ننسى فيها قيم التضامن والتراحم، ندفع ثمنًا باهظًا من أرواحنا لا من جيوبنا. النسيان في الاغتراب لا يكلّف فقط علاقات، بل يُفقر النفس ويغترب الوجدان ويولد وجعا وتكلفة عالية لألم البعاد كنوع جديد من الوجع عرفناه عندما عرفنا الغربة .
ولأننا بشر، لا نملك دائمًا زمام ذاكرتنا، لكننا نملك زمام قلوبنا. ويمكننا أن ننتقل من الغفلة إلى اليقظة، من اللامبالاة إلى الوعي… أن نعيد ترتيب أولوياتنا، فنمنح الحاضر عمق الماضي، ونحفظ الجميل في صندوق الروح لا صندوق الذكرى.
إنها يقظة القلب، لا مجرد تذكّر عقلي. أن تبادر بالسؤال قبل أن يُسأل عنك. أن ترسل كلمة طيبة، ولو تأخرت. أن تعود إلى من كان له في قلبك بيت، ولو تهدّم.
في النهاية، لسنا مسؤولين عن كل ما ننساه، لكننا مسؤولون عن كل ما لم نحاول أن نتذكره.



