مقالات

هل يعيش الناس بلا ديون ؟

 

بقلم د. محمد جميل الشبشيري

حتى نجيب علي سؤال اليوم هل يستطيع الناس ان يعيشوا بلا ديون ، او ائتمان ، دعونا نفكر في سؤالين جدد: هل الدين الخاص سيئ في جوهره؟ ولماذا تتزايد الديون باستمرار؟

لن تكون الحياة الاقتصادية كما نعرفها ببساطة ممكنة بدون كميات هائلة من الديون الخاصة. إن الديون مثل الماء: لا غنى عنه ، دائمًا موجود ، ويُؤخذ كأمر مسلم به ولا يلاحظه أحد إلا عندما يكون هناك الكثير أو القليل جدًا منه بشكل خطير. يستخدم الناس الديون والائتمان لشراء السيارات والمنازل والأصول الرئيسية الأخرى. كما تستخدم الشركات مثل محلات السوبر ماركت وتجار التجزئة الديون بانتظام لحاجتهم المستمرة إلى المخزون،وتتحمل الشركة المصنعة ديونًا لشراء المواد الخام لتحويلها إلى سلع تامة الصنع

تقوم البنوك المركزية عادة بـ “طباعة الأموال” عندما تشتري أوراق مالية حكومية من بنك معين من خلال عمليات “السوق المفتوحة”، من خلال تحويل (إضافة إلى) حساب ذلك البنك فى البنك المركزى. هذا الإنشاء للأموال يُنشِئ أيضًا دينًا في نفسا الوقت مع التزام البنوك المركزية باصدار سندات واذون خزانه او صكوك تحمل فائدة او عائد ولها استحقاقًات فوريًة ومن خلال ذلك تسعى البنوك المركزية تحقيق توازنات اساسية لضمان سلامة الاقتصاد في حاضرة ومستفبله ومحاولة ايجاد توازن بين الكتلة النقدية أو مجموع وسائل الدفع المتاحة من نقد وأئتمان من جهة والانتاج الوطنى من جهة اخري لتجنب اضرار التضخم الناتجة عن تجاوز الكتلة النقدية الناتج عن تجاوز الكتلة النقدية لمستوى الانتاج الوطنى ، والذى يؤدى حتما الى تدهور قيمة العملة المحلية وقوتها الشرائية

البنوك أيضًا تقوم بإنشاء الأموال – من خلال الإقراض. بمختلف انواعة قصيرة ومتوسطة وطويلة الاجل ، تجارية او انتادية كالقروض الصناعية والزراعية ، فعندما يتوجه شخص إلى البنك لاقتراض 10,000 دولار من أجل الذهاب إلى الجامعة، يمنحة البنك القرض على شكل إيداع في حسابه الجاري. هذا الإيداع هو أموال جديدة تم إنشاؤها بهذا الدين. هذا الإيداع يُعتبر أصلًا جديدًا للعميل، ويُعتبر التزامًا جديدًا للبنك يحمل استحقاقًا فوريًا

تشمل هذه الأمور الثلاثة جميعًا تقريبًا ما يُعتقد به بشكل روتيني أنه خلق للأموال أو “طباعة الأموال”، وجميعها في نفس الوقت تُنشئ التزامًا مكافئًا – مبلغًا مكافئًا من الدين. إنها مفتاح مهم لفهم الاقتصادات الحديثة، وهي في القلب سبب زيادة نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي باستمرار. تاريخيًا، كان معظم هذا الحجم من الإقراض من البنوك محلية او اجنبية ، تليها ديون الخزانة وتسليفات البنك المركزى ومحفظة السندات وودائع البنوك .الودائع الحكومية ، وأخيرًا عمليات “السوق المفتوحة” التابعة للبنك المركزيالنمو يحتاج إلى أموال جديدة. جميع الأموال الجديدة يتم إنشاؤها من خلال الدين. وبالتالي، من المتوقع أن تنمو الديون بنفس سرعة أو أسرع من الناتج المحلي الإجمالي

وتضاف إلى ذلك عدة عوامل أخرى تسهم بشكل كبير في تراكم الديون: الديون تستمر في حالة انخفاض الفائدة؛ فالمقرضون لديهم حافز مالي قوي لزيادة الإقراض؛ وهناك دائمًا مستوى من الديون السيئة أو غير المنتجة غير المعترف بها بعد؛ وأصحاب الأصول، سواء كانت تلك الأصول مبانٍ أو شركات، لديهم اتجاه لاستخدام مزيد من الرافعة المالية لاستخراج قيمة أكبر من تلك الأصول مع مرور الوقت.

بشكل أساسي، أعتقد أنه من الصعب – وربما حتى من الحمق أن يكون النظام الاقتصادي مبنيًا تمامًا على الأموال المستندة الي الديون. النظام الذي يتم فيه خلق جميع الأموال من خلال الديون ليس مستدامًا.و تخمة الديون تؤدي إلى زيادة الضغوط داخل هذا النظام، ويُسهم في اضطرابه، كما تجلب تضخم الأصول والديون، ويؤدي في النهاية إلى ديون باهظة تبطئ من النمو

الدين الذي بدأ اختراعًا إنسانيا فيه كثير من الابتكار.وجله الدين الاسلامي كمعاملة رئيسية بين الناس واعتبرة،فأطول أية في القران الكريم هي اية الدين في سورة البقرة والتى احكمت ضوابطه واهتمت بتوثيقة وحافظت على حقوق الدائن والتزامات المدين بشكل متفرد من خلال 129 كلمة و551 حرفًا

قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ٢٨٢﴾

قد دعت جميع الاديان السماوية الى عدم استغلال الناس من خلال الربا ، حيث يستحق راس المال عائدا معينا سواء في الاقتصاد الوضعي او الاقتصاد الاسلامي ويشترط له هذا الاخير أن يساهم في الانتاج ، وان يتمثل في نسبة شائعة من الارباح المحققة ، اي لايجب ان يأخذ شكل الفائدة المحددة مسبقا ، ويتحدد الربح في التصور الاسلامي ، في كونه الزيادة علي راس المال ، المتحققة من استخدامه في عملية أو عمليات مقبولة شرعا ، ويختلف مبلغه بحسب رأس المال المستعمل ،ومخاطر العملية ، ويتم الحصول عليه بأساليب تتيح نوعا من التكافؤ في تحقيق المكاسب أهمها اسلوب المضاربة والمشاركة ، القائم على مبدأ المشاركة في الأرباح والخسائر وهو يعد بديلا عن التعامل بالنقود والديون علي سبيل الاتجار .

كثيرا ما كنت ادعو ان تكتب البنوك علي البطاقات الائتمانية تحذيرا للناس من مضار الافراط في الدين مثل التحذير الذي يكتب علي السجائر حيث ان التوسع في استخدام الديون- بغيرحكمة – اصبح حلقة شريرة تفضي خلالها الاستدانة إلى مزيد من الديون، ويكاد الإفراط فيه أن يؤدي إلى التفريط في أمور جوهرية؟ فقد برزت خلال السنوات الأخيرة معضلات حقيقية وازمات ضخمة نتيجة للتوسع في أعمال الائتمان والإقراض، وتعرض العديد من المؤسسات المالية والبنوك والدول إلى هزات كبرى بسبب عدم قدرة الكثير من مدينيها على سداد التزاماتهم تجاهها سواء كانت تلك الالتزامات فوائد على القروض أو أقساطا لأصل الدين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى