اختر الصعب اليوم، لتحيا السهل غدًا.

بقلم د. محمد جميل الشبشيري
هل غلبك النوم يومًا رغم أن لديك عملًا؟ هل فضّلت الراحة على الخروج من البيت؟ هل ضيّع الهاتف وفرجة الفيديوهات يومك وأخّرت الصلاة؟ هل سوّفت في تقديم واجباتك؟ هل أجّلت إعداد التقرير أو العرض التقديمي للحظة الأخيرة؟ وهل طلبت من غيرك كوبًا من الماء رغم قربه منك؟
لا تقلق، لست وحدك. معظمنا يتجه إلى الأسهل ويتجنّب مواجهة الصعب. إنّه جزء من طبيعتنا كبشر. فالعقل البشري – كما تقول نظرية “البخيل المعرفي” – مبرمج منذ آلاف السنين على تقليل الجهد وتوفير الطاقة، لأنّ ذلك كان ضروريًا للبقاء.
في عصور الصيد والجمع، كانت الطاقة موردًا نادرًا. وكان على الإنسان أن يحفظها للمواقف المصيرية: الهروب من وحش، تسلّق شجرة للنجاة، أو صيد حيوان لوجبة يوم. اليوم تغيّر العالم، لكن أدمغتنا لا تزال عالقة في الماضي. ولهذا لا نعجب حين نتهرب من الذهاب إلى صالة الرياضة، أو نؤجل مشروعًا مهمًا، أو نستسلم لإغراء تصفّح الهاتف لساعات.
لكن هذه الخيارات “السهلة” في ظاهرها، هي بوابة لصعوبات طويلة الأمد: شعور بالندم، تأخر في الإنجاز، ضياع للفرص، وحتى تراجع في مستوى الطموح والمعنويات.
وقد لخّص الإمام الشافعي هذه الحكمة حين قال:
“بقدرِ الكدِّ تُكتسبُ المعالي، ومن طلب العلا سهر الليالي.”
إن من يطلب السهولة المطلقة سيجد في النهاية حياة معقدة، ومن يحتمل المشقة الآن، يقطف الراحة لاحقًا. فالنجاح لا يُهدى، بل يُؤخذ بكلفة.
والقرآن الكريم نبّهنا لهذا المعنى في قول الله تعالى:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4] أي: في مشقة وتعب، لأن الحياة الحقيقية ليست في التنعم اللحظي، بل في بذل الجهد والارتقاء بالنفس.
وقد أيّد النبي ﷺ هذا المعنى حين أوصى قائلًا:
“اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك…”
فالشباب والقدرة والطاقة ليست أبدية، و”التسويف” اليوم هو ندم الغد.
وتقودنا هذه الفكرة إلى ما يعرف في الاقتصاد بـ نظرية دورة الحياة (Life-Cycle Hypothesis) والتي تؤكد أن الإنسان الحكيم هو من يخطط لحياته بطريقة موزونة: يعمل ويجتهد ويُدخّر في سنوات القوة والشباب، ليستمتع بالأمان في مراحل الشيخوخة. من يتّبع هذه الدورة السليمة، يعيش حياة مستقرة، لا يرهقه المستقبل، ولا يندم على ماضٍ أضاعه في الكسل.
إن الفرق بين إنسان وآخر لا يكمن غالبًا في الذكاء أو الحظ، بل في العادات الصغيرة. من يمارس الصعب يومًا بعد يوم، يجد حياته في النهاية أسهل وأغنى. أما من يهرب إلى الراحة المؤقتة، سيجد نفسه في دوامة من التأجيل والقلق والتراجع.
فهل نبدأ بخطوة بسيطة؟ أن نحمل كوب الماء بأنفسنا. أن نطفئ الهاتف لننجز. أن نستيقظ حين يرنّ المنبّه، لا بعد “خمس دقائق أخرى”.
وصدق المثل الشعبي حين قال:
“من راقب الناس مات همًّا، ومن راقب نفسه عاش عزمًا.”
اختر الصعب اليوم، لتحيا السهل غدًا.


