الكويت توسع استخدام الجراحة الروبوتية وعن بُعد لتعزيز جودة الرعاية الصحية
الكويت توسع استخدام الجراحة الروبوتية وعن بُعد لتعزيز جودة الرعاية الصحية

تشهد المنظومة الصحية في دولة الكويت توسعاً متزايداً في توظيف التقنيات الحديثة والذكية في القطاع الطبي، وفي مقدمتها الجراحة الروبوتية والجراحة عن بُعد، بما يعزز قدرات المستشفيات الحكومية والتخصصية على تقديم خدمات علاجية متقدمة، ويفتح المجال أمام نقل الخبرات الطبية بين مواقع جغرافية مختلفة داخل الكويت وخارجها.
وأكد وكيل وزارة الصحة الشيخ الدكتور سلمان خليفة الصباح أن تطوير الخدمات الجراحية يستند إلى بناء قدرات وطنية مستدامة تجمع بين كفاءة العنصر البشري وجودة التجهيزات وسلامة الممارسة، مشدداً على أن قيمة التقدم الطبي تقاس بما يضيفه إلى جودة الرعاية وحياة المريض.
وقال الشيخ الدكتور سلمان الصباح لوكالة الأنباء الكويتية «كونا» أمس الاثنين إن الجراحة الروبوتية تطبق حالياً في عدد من المستشفيات والمراكز التخصصية، تشمل مستشفيات الشيخ جابر الأحمد، والفروانية، والجهراء الجديد، والأمراض الصدرية، ومركز الشيخ صباح الأحمد للكلى والمسالك البولية، بما يعكس تنوع استخدام التقنية وفق الاحتياجات العلاجية وخبرات الفرق الطبية المتخصصة.
وأوضح أن مسيرة الجراحة الروبوتية في مستشفى الشيخ جابر الأحمد بدأت عام 2019، وشهدت توسعاً في التخصصات والخبرات، ليصل عدد العمليات المنفذة إلى 1145 عملية حتى الرابع من سبتمبر 2026، وشملت تخصصات المسالك البولية، وجراحة السمنة، والجهاز الهضمي العلوي، والفتق، والقولون والمستقيم، والكبد، وأمراض وجراحة النساء، والأنف والأذن والحنجرة.
وأضاف أن قسم جراحة العظام في المستشفى بدأ إجراء العمليات بمساعدة الروبوت في يناير 2024، وتجاوز عدد الحالات التي أجريت باستخدام التقنية 115 حالة، بما يعكس امتداد تطبيقاتها إلى جراحات العظام وتنامي الخبرة الوطنية في هذا المجال.
وفي مستشفى الجهراء الجديد، أشار إلى أن برنامج الجراحة الروبوتية انطلق بإجراء أول عملية في 27 أبريل 2025، وبلغ إجمالي العمليات 155 عملية حتى السادس من سبتمبر 2026، في تخصصات الجراحة العامة والمسالك البولية والجراحات التخصصية.
وبيّن أن العمليات شملت استئصال أورام القولون والكلى، والعمليات الترميمية، وجراحات السمنة، وإصلاح فتوق جدار البطن، مشيراً إلى إنجاز 100 عملية خلال أقل من ستة أشهر من بدء التشغيل، بما يعكس سرعة اكتساب الخبرة وتكامل أداء الفريقين الجراحي والتمريضي.
ولفت إلى أن مستشفى الأمراض الصدرية شهد بدوره استخدام الروبوت في جراحات الصدر والقلب، بإجراء 30 عملية في جراحة الصدر و25 عملية في جراحة القلب ضمن التطبيقات التخصصية للجراحة الروبوتية.
جراحات عن بُعد
ولم يقتصر التوسع التقني على استخدام الروبوت داخل غرف العمليات، بل امتد إلى الجراحة عن بُعد، بما يتيح الاستفادة من الخبرات التخصصية عبر الربط بين مواقع جغرافية مختلفة داخل الكويت وخارجها.
وقال وكيل وزارة الصحة إن مركز الشيخ صباح الأحمد للكلى والمسالك البولية بدأ إجراء الجراحات الروبوتية عن بُعد في 20 ديسمبر 2024، وأجرى 15 عملية تكللت بالنجاح، منها 12 عملية دولية وثلاث عمليات عبر الربط المحلي داخل الكويت.
وأوضح أن العمليات الدولية توزعت على ثماني عمليات من شنغهاي في الصين، وعمليتين من ستراسبورغ في فرنسا، وعملية من مسقط في سلطنة عمان، وأخرى من بادوفا في إيطاليا، فيما كان المرضى داخل المركز في الكويت يتلقون الرعاية من الفريق الطبي الموجود إلى جوارهم.
ومن بين النماذج الموثقة، أشار إلى عملية استئصال جذري للبروستاتا قادها جراح كويتي من ستراسبورغ لمريض موجود في المركز بالكويت، ونقلت مباشرة خلال مؤتمر دولي في يوليو 2025، ما أتاح عرض الخبرة الوطنية وتبادل المعرفة بشأن تطبيقات الجراحة عن بُعد.
وأكد الشيخ سلمان الصباح أن هذه التجارب تبرز قدرة الكفاءات الوطنية على توظيف تقنيات الاتصال المتقدمة في تقديم خدمات جراحية تخصصية، مع أهمية استمرار الرعاية المباشرة للمريض وتكامل الأدوار بين جميع أعضاء الفريق الطبي.
تعاون جراحي عبر الحدود
وفي مجال التعاون الجراحي الدولي، ذكر أن تعاوناً جرى بين مستشفى الشيخ جابر الأحمد ومركز «سكولا» في مستشفى «كروز فيرميلها» بالبرازيل، حيث أجرى فريق طبي في الكويت جراحة لمريض في البرازيل، في إنجاز وثقته موسوعة «غينيس» بتاريخ 23 سبتمبر 2025، لمسافة بلغت 12 ألفاً و34.92 كيلومتراً بين المريض والجراح.
وشمل التعاون كذلك إجراء فريق طبي في البرازيل عملية لمريض في الكويت، بما قدم نموذجاً للتعاون الجراحي المتبادل عبر الحدود.
وعلى المستوى المحلي، شهد التعاون بين وحدة الأورام النسائية في مستشفى الشيخ جابر الأحمد وقسم النساء والولادة في مستشفى الجهراء إجراء ثلاث عمليات عن بُعد لمريضات مصابات بسرطان الرحم، أعلنت عنها وزارة الصحة في أكتوبر 2025، بما يعكس إمكانية توسيع الاستفادة من الخبرات التخصصية بين المؤسسات الصحية داخل البلاد.
كما شهد نوفمبر 2025 تعاوناً بين قسم الجراحة في مستشفى الفروانية ومركز الشيخ صباح الأحمد لعلاج مريض احتاج إلى استئصال المرارة والكلية اليسرى، حيث أجريت جراحة المرارة عن بُعد من مستشفى الفروانية، بينما كان المريض في المركز، قبل أن يجري فريق المسالك البولية بالمركز جراحة الكلية، مع وجود جراح من فريق مستشفى الفروانية إلى جوار المريض استعداداً للتدخل عند الحاجة.
وأوضح أن هذا النوع من الإجراءات يعتمد على وضوح الأدوار والاستعداد للتعامل مع الحالات الطارئة وتكامل الفرق الطبية المشاركة.
التقنية لخدمة المريض
وحول أثر الجراحة الروبوتية، أوضح الشيخ سلمان الصباح أن هذه التقنيات توفر إمكانات لتعزيز الرؤية والتحكم بالأدوات وتنفيذ المهام الدقيقة، وقد تساعد في إجراء تدخلات جراحية محدودة للحالات المناسبة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن تقييم أثرها في مدة الإقامة والتعافي يتطلب متابعة النتائج بحسب نوع العملية وحالة المريض ومقارنتها بالبدائل وفق مؤشرات علمية واضحة.
وشدد على أن اختيار التقنية ينبغي أن يستند إلى مصلحة المريض، وأن يقترن بتوثيق النتائج ومراجعتها، مؤكداً أن زيادة عدد العمليات تكتسب قيمتها عندما ترافقها جودة مستدامة وسلامة في الأداء.
وقال إن هذه الإنجازات تمثل ثمرة جهود جماعية تستحق التقدير، مشيراً إلى أهمية البناء عليها من خلال التأهيل المستمر، والتقييم العلمي، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الصحية، لافتاً إلى أن لكل فرد في الفرق الطبية والتمريضية والفنية إسهاماً في نجاح هذه المنظومة.
استثمار وتنظيم وتدريب
وفي ما يتعلق بالرؤية الاستراتيجية والاستثمار والتنظيم، أفاد وكيل وزارة الصحة بأن تطوير الجراحة الروبوتية يرتبط بتعزيز التكامل بين الخدمات الصحية والبنية الرقمية، وجعل الخبرة الطبية أكثر وصولاً إلى من يحتاج إليها، مؤكداً أهمية موثوقية الاتصال وحماية البيانات واستدامة تشغيل الأنظمة.
وأضاف أن تقييم الاستثمار يشمل الأجهزة والتدريب والصيانة والتجهيزات المساندة، وأن توجيه الموارد ينبغي أن يرتبط بالحاجة السريرية وكفاءة الاستخدام والنتائج، بما يضمن اقتران التوسع التقني بقدرة تشغيلية مستدامة.
وفي الجانب التنظيمي، شدد على أهمية وضوح متطلبات التأهيل والمسؤولية المهنية والموافقة المستنيرة، خصوصاً في الجراحة عبر الحدود، مؤكداً أن المواكبة التنظيمية المستمرة ضرورية لحفظ حقوق المرضى وتحديد مسؤوليات الأطراف المشاركة.
كما أكد أهمية التدريب المتدرج والمحاكاة وتقييم المهارات وتبادل الخبرات، بما يشمل الجراحين وأطباء التخدير والتمريض والفرق الفنية، موضحاً أن تطوير قدرات المحاكاة المتقدمة يتيح إعداد الكوادر والتدرب على التعامل مع المواقف الطارئة قبل مواجهتها سريرياً.
وحول الأعطال أو انقطاع الاتصال، أوضح أن أي توسع في الجراحة عن بُعد ينبغي أن يستند إلى خطة واضحة للطوارئ، وفريق مؤهل إلى جوار المريض، وقدرة على الانتقال إلى البديل المناسب متى استدعت الحالة، مع اختبار الجاهزية والتدريب على الاستجابة.
ثقة المريض أولوية
وأكد الشيخ الدكتور سلمان الصباح أن بناء ثقة المريض يبدأ بشرح دور الطبيب وتحكمه بالنظام الروبوتي، وتقديم معلومات واضحة ومفهومة حول الفوائد والمخاطر والبدائل، ومكان وجود الجراح والفريق المسؤول عن الرعاية، إلى جانب احترام الخصوصية والاستماع إلى تجربة المريض.
وقال إن طموح دولة الكويت يتمثل في ترسيخ قدرة طبية وطنية تجمع بين العلم والخبرة والمسؤولية، وتوظف التعاون والتكنولوجيا لخدمة الإنسان، بما ينعكس على سلامة المرضى وجودة حياتهم ويعزز حضور الكويت في المجال الصحي.
ويأتي التوسع في الجراحة الروبوتية والجراحة عن بُعد ضمن توجه أوسع لتطوير المنظومة الصحية في دولة الكويت، والاستثمار في الكوادر الطبية الوطنية وتأهيلها وفق أحدث المعايير، مع مواصلة إدخال التقنيات الحديثة وتطوير البنية الرقمية والتنظيمية بما يدعم تقديم خدمات صحية متقدمة ويعزز قدرة القطاع الصحي على مواكبة التطورات العالمية في مجالات العلاج والجراحة والوقاية.



