أهم الاخبارتقارير

ثلاث سنوات بين التحذير والانهيار .. كم تبقى لسوق الأسهم الأمريكي؟

تحذيرات متزايدة من فقاعة الذكاء الاصطناعي.. لكن الأرباح القياسية تؤجل اختبار السوق

ثلاث سنوات بين التحذير والانهيار .. كم تبقى لسوق الأسهم الأمريكي؟

في الخامس من ديسمبر 1996، وقف رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي “ألان غرينسبان” أمام معهد “أمريكان إنتربرايز” في واشنطن، وطرح سؤالاً صاغه بعناية شديدة: كيف نعرف عندما يكون “الحماس اللامعقول” قد رفع أسعار الأصول رفعًا غير مبرر؟

الجملة استغرقت ثواني، لكنها انتقلت مباشرة إلى الشاشات عبر القنوات الإخبارية، وهزّت الأسواق العالمية للحظات، فتعثر مؤشر “إس آند بي 500” أسابيع قليلة، ثم استأنف صعوده.

بين ذلك اليوم وعقب قمة فقاعة الدوت كوم في مارس 2000، كان المؤشر قد تضاعف، وتجاوزت التقييمات مستويات 1996 بمسافة واسعة، ومن باع أسهمه في اليوم التالي لكلام “غرينسبان” خسر عائدًا يقترب من 105%

اليوم يتكرر المشهد بمفردات مختلفة، لا خطاب واحداً مطوّل الجمل، بل مسح شهري وتحذير مؤسسي متكرر: استطلاع “بنك أوف أمريكا” لمديري الصناديق يضع “فقاعة الذكاء الاصطناعي” على رأس المخاطر منذ يوليو.

وبنك التسويات الدولية يخصص فصلًا كاملًا من تقريره السنوي للتحذير من مخاطر تمويل مراكز البيانات، ومع ذلك يواصل المؤشر تسجيل أرقام قياسية جديدة على نحو شبه أسبوعي.

فهل التحذيرات هذه المرة مبكرة كسابقتها، أم أن السوق اليوم أقرب إلى ديسمبر 1999 منه إلى ديسمبر 1996، أي أقرب إلى القمة لا إلى بدايتها؟ وما الذي قد يحوّل الحديث عن الفقاعة إلى تصحيح فعلي خلال الاثني عشر شهراً المقبلة؟

كيف يبدو الوضع الآن؟

– أغلق مؤشر “إس آند بي 500” عند مستوى قياسي قرب 7800 نقطة يوم الخميس (قبل أن يقلص مكاسبه قليلًا الجمعة) مرتفعًا بنحو 13% منذ بداية العام.

– التركّز في قمة المؤشر يتجاوز أي وقت منذ فقاعة الدوت كوم: أكبر عشر شركات تمثل نحو 40–41% من وزنه، مقارنة بنحو 25% في ذروة عام 2000 و15% عام 1980.

– شركة “إنفيديا” وحدها تتجاوز 8% من الوزن، بعدما تجاوزت قيمتها السوقية 5 تريليونات دولار في 29 أكتوبر، ونسبة شيلر للسعر إلى الأرباح المعدّلة دوريًا بلغت نحو 41 في أغسطس، وهي ثاني أعلى قراءة في تاريخ المؤشر منذ 1881، ولم تتجاوزها سوى قراءة ديسمبر 1999 البالغة 44.2.

– مع ذلك، فالأرباح الفعلية لا تزال ترتفع لا تتراجع، حيث أعلنت “إنفيديا” في 20 مايو عن إيرادات فصلية قياسية بلغت 81.6 مليار دولار، بنمو 85% سنويًا، منها 75.2 مليار دولار من مراكز البيانات وحدها بنمو 92%.

– استطلاع “بنك أوف أمريكا” لمديري الصناديق، الذي شمل 210 مسؤولين يديرون 555 مليار دولار بين 2 و9 يوليو، أظهر أن 45% يرون “فقاعة الذكاء الاصطناعي” أكبر مخاطرة على الإطلاق، ارتفاعًا من 5% فقط في مايو.

– لكن الاستطلاع نفسه أظهر انقسامًا، حيث يقول 48% إن أسهم الذكاء الاصطناعي ليست في فقاعة بعد، مقابل 43% يرون العكس.

أهم مؤشرات أداء السوق الأمريكي

المؤشر

القيمة

التاريخ

إس آند بي 500 (إغلاق قياسي)

7798 نقطة

2026-08-13

نسبة شيلر CAPE

41.2

2026-08-12

وزن أكبر 10 شركات من المؤشر

40–41 %

يونيو 2026

وزن إنفيديا من المؤشر

أكثر من 8%

أبريل 2026

رؤية “فقاعة الذكاء الاصطناعي” كأكبر مخاطرة (استطلاع)

%45

يوليو 2026

مستوى النقد لدى مديري الصناديق (استطلاع)

%3.6

يوليو 2026

مؤشر التقلب VIX

14.63

2026-08-13

المفارقة: تحذير غير مسبوق وأرقام قياسية

– ليست تناقضًا، بل نتاج آليتين تعملان بالتوازي دون أن تلتقيا بعد، الأولى أن الأرباح لا تزال تتفوق حتى على توقعات مرتفعة أصلًا.

– رفع “جيه بي مورجان” توقعه لأرباح 2026 إلى 365 دولارًا للسهم، أي نمو 35% سنويًا، ورفع “دويتشه بنك” توقعه إلى 358 دولارًا في أوائل أغسطس.

– طالما تفوّقت الأرباح الفعلية على هذه الأرقام المرتفعة أصلًا، يستمر السوق في تبرير المضاعفات المرتفعة بأرباح حقيقية لا بأمل مجرّد، خلافًا لغالبية شركات “دوت كوم” عام 2000 التي كانت بلا أرباح تُذكر.

– الآلية الثانية أخطر، وهي التمويل الدائري، فبحسب تقرير بنك التسويات الدولية السنوي الصادر في يونيو، سيبلغ إنفاق خمس شركات تقنية عملاقة أكثر من تريليون دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بين عامي 2025 و2026 مجتمعين.

– هذا يفوق أرباحها وتدفقاتها النقدية الحرة وبالتالي تلجأ إلى إصدار الدين لتغطية الفجوة، ويحذّر البنك من أن “خيبة أمل في العوائد قد تُحوّل طفرة الإنفاق الرأسمالي إلى كساد استثماري ممتد، بتداعيات على الأوضاع المالية العامة.

– الترابط بين مزوّدي الرقائق وشركات الحوسبة السحابية والمختبرات الناشئة، عبر حصص ملكية متبادلة والتزامات شراء طويلة الأجل، يعني أن أي تعثر في حلقة واحدة قد ينتقل بسرعة عبر السلسلة كلها.

– مع ذلك، فالمؤشر لا يرى هذا الخطر حالياً لأن التعثر لم يقع بعد، لا لأن الخطر غير موجود.

قراءة عكسية للقصة

– إذا قرأنا قصة “غرينسبان” بالاتجاه المعاكس، تنقلب دلالتها، فالقراءة السائدة تقول: التحذير المبكر لا يعني انهيارًا وشيكًا، فالسوق تجاهل “غرينسبان” ثلاث سنوات كاملة.

– لكن القراءة المعاكسة تقول: التحذير كان صحيحًا من اليوم الأول، وثمنه لم يظهر إلا لاحقًا، فمن قمة أغسطس 2000 إلى قاع 2003 محا المؤشر معظم مكاسب سنوات الحماس، ولم يستعد قمته الحقيقية المعدّلة بالتضخم إلا في 2013.

– الأهم أن نسبة “شيلر” كانت نحو 21 فقط وقت خطاب “غرينسبان”، فيما تبلغ اليوم نحو 41، وإن كانت المسافة الزمنية للقمة تتناسب مع بُعد التقييم عنها، فالوقت المتبقي هذه المرة أقصر لا أطول من ثلاث سنوات.

العودة والدلالة

– الفارق الحقيقي بين 1996 و2026 ليس في مستوى التقييم فقط، بل في نوع الخطر نفسه، حيث كان يخشى “غرينسبان” فقاعة أسهم شركات بلا أرباح تُذكر.

– أما أرباح اليوم فحقيقية وموثّقة، لكن طريقة تمويل التوسع تحمل خطرًا لم يكن قائمًا بالحجم نفسه حينها، حيث الدين متصاعد والتمويل دائري بين حفنة من الشركات المترابطة.

– هذا يعني أن التصحيح، إن وقع، قد لا يشبه انهيار عام 2000 القائم على تبخّر تقييمات بلا أساس، بقدر ما يشبه أزمة ائتمان تنتقل عبر ميزانيات متشابكة.

– عمليًا، هذا لا يعني بيع المحفظة استباقًا، فمن باع بعد كلام “غرينسبان” خسر عائدًا كبيرًا قبل أن يثبت التحذير صحته بثلاث سنوات.

– هذا يستدعي ترقب التطورات الأكثر أهمية: هل تتباطأ إيرادات مزوّدي الرقائق ربعًا بعد ربع؟ هل تتوسع فروق العائد على سندات الشركات التقنية الكبرى المصدرة لتمويل مراكز البيانات؟ هذان مؤشران يسبقان أي تصحيح سعري فعلي، ولا يظهر أي منهما بعد في بيانات منتصف أغسطس 2026.

السيناريوهات خلال 12 شهرًا

السيناريو

الشرط المحرّك

نطاق المؤشر

الاحتمال النسبي

هبوطي

– رفع فائدة في سبتمبر

– تراجع توجيهات إنفيديا

– إشارات خفض إنفاق رأسمالي في نتائج الربع الثالث

6400–7000 نقطة

(تصحيح 10–18%)

منخفض إلى متوسط

أساسي

– استمرار تفوق الأرباح على التوقعات

– تثبيت الفائدة

– إنفاق رأسمالي كما هو مخطط

7950–8100 نقطة

(ارتفاع 2–4%)

مرتفع

صعودي

– خفض فائدة

– تأكد مكاسب إنتاجية الذكاء الاصطناعي

– تسارع نمو الأرباح

8250–8500 نقطة

(ارتفاع 6–9%)

منخفض إلى متوسط

– قرار الفيدرالي بشأن الفائدة في سبتمبر هو المتغيّر الوحيد الأكثر قدرة على تحديد أي سيناريو يتحقق، لأنه يحدد تكلفة الدين الذي يموّل التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ماذا تراقب الأسواق؟

– ثلاثة مواعيد تحسم اتجاه الأشهر المقبلة، هي نتائج “إنفيديا” للربع الثاني من السنة المالية 2027 في 26 أغسطس 2026، وقرار الفيدرالي بشأن الفائدة في 16 سبتمبر وسط جدل حاد حول احتمال رفعها بعد تصويت يوليو الذي شهد دعوة 3 أعضاء للرفع.

– يضاف إلى ذلك، موسم نتائج الربع الثالث لشركات الحوسبة السحابية الكبرى في أواخر أكتوبر ومطلع نوفمبر 2026، حين تتضح موازنات الإنفاق الرأسمالي لعام 2027.

– ثلاثون عامًا تفصلنا عن تحذير “غرينسبان”، لكن السؤال ما زال قائمًا: هل نحن أمام تحذير مبكر جديد أم قرب نهاية الدورة؟ الإجابة لن تحسمها العناوين، بل أرباح شركات الذكاء الاصطناعي، وتكلفة التمويل، وقدرة السوق على تبرير تقييماته المرتفعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى