أهم الاخبارتقارير

التضخم يغير بوصلة المستثمرين

التضخم يغير بوصلة المستثمرين

قبل سنوات قليلة، كان المستثمرون يترقبون كل اجتماع للبنوك المركزية كما لو أنه لحظة حاسمة تحدد مصير الاقتصاد العالمي.

كانت الأنظار تتجه إلى سؤال واحد: هل سينجح رفع أسعار الفائدة في كبح التضخم من دون دفع الاقتصادات إلى الركود؟

وبين سيناريو «الهبوط الناعم» الذي يحقق السيطرة على الأسعار مع استمرار النمو، و«الهبوط العنيف» الذي يقود إلى انكماش اقتصادي، بدا أن العالم لا يملك خيارات أخرى.

“الهبوط الصفري”

لكن مع مرور الوقت، فرض الواقع سيناريو ثالثاً لم يكن يحظى بقبول واسع، وهو استمرار النمو الاقتصادي بالتزامن مع بقاء التضخم أعلى من المستويات المستهدفة، فيما بات يُعرف بـ«الهبوط الصفري» .

 ولم يعد هذا الاحتمال مجرد فرضية اقتصادية، بل تحول إلى واقع يتكيف معه المستثمرون والأسواق، مع تزايد القناعة بأن التضخم قد يظل مرتفعاً لفترة أطول مما كانت تتوقعه البنوك المركزية.

في مطلع العقد الحالي، رفعت معظم البنوك المركزية أسعار الفائدة بوتيرة غير مسبوقة لمواجهة موجة تضخم اجتاحت الاقتصادات المتقدمة بعد جائحة كورونا، واضطرابات سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

وكان الهدف المعلن إعادة التضخم إلى مستويات تقارب 2%، وهو المستوى الذي تعتبره معظم البنوك المركزية مناسباً لتحقيق استقرار الأسعار.

لكن البيانات الأخيرة تشير إلى أن هذه المهمة أصبحت أكثر تعقيداً.

ففي الولايات المتحدة، لم ينجح مجلس الاحتياطي الفيدرالي في إعادة التضخم إلى هدفه البالغ 2%، إذ بلغ أدنى مستوياته عند 2.3% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في أبريل 2025، قبل أن يرتفع مجدداً إلى 4.1% في مايو.

ولم تكن الولايات المتحدة استثناءً، إذ سجلت أستراليا تضخماً بلغ نحو 4%، بينما بقي التضخم أعلى من المستهدف في المملكة المتحدة عند 2.6%، وفي منطقة اليورو عند 2.8%.

هذا الواقع غيّر نظرة المستثمرين والمستهلكين إلى المستقبل. فقد أظهر استطلاع شهري لمديري الصناديق أعده بنك أوف أمريكا أن 54% من المشاركين يتوقعون استمرار سيناريو «الهبوط الصفري» خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، أي استمرار النمو الاقتصادي مع بقاء التضخم فوق المستويات المستهدفة.

كما أظهر استطلاع لجامعة ميشيغان أن المستهلك الأمريكي يتوقع تضخماً يبلغ 4.2% خلال العام المقبل، فيما تجاوزت توقعاته طويلة الأجل مستوى 3%.

التطورات الجيوسياسية

وزادت التطورات الجيوسياسية من هذه المخاوف، خصوصاً بعد ارتفاع أسعار الطاقة في أعقاب التوترات العسكرية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، ما أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.

غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في ارتفاع أسعار الطاقة، بل في أن التضخم لم يعد إلى مستوياته الطبيعية منذ عام 2021، وهو ما عزز الاعتقاد بأن الاقتصاد العالمي دخل مرحلة جديدة تختلف عن العقد السابق الذي اتسم بتضخم منخفض وأسعار فائدة متدنية.

ومع تغير البيئة الاقتصادية، اضطر المستثمرون إلى إعادة تقييم استراتيجياتهم الاستثمارية.

وأبرز الدروس التي فرضتها السنوات الخمس الماضية أن الأصول الحقيقية أصبحت أكثر قدرة على حماية الثروة من التضخم مقارنة بالأصول ذات العائد الثابت.

أسواق الأسهم

وقد استفادت أسواق الأسهم في معظم الاقتصادات الكبرى، باستثناء الصين، من هذا التحول.

فرغم ارتفاع أسعار الفائدة، حققت الأسهم أداءً تراوح بين الجيد والممتاز، مستفيدة من استمرار نمو أرباح الشركات، إلى جانب الطفرة الكبيرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في تقييمات شركات التكنولوجيا.

ويرى محللون أن الأسهم تمتلك ميزة مهمة خلال فترات التضخم، لأنها تمثل حصصاً في شركات تستطيع غالباً رفع أسعار منتجاتها وخدماتها بما يتماشى مع ارتفاع الأسعار، وهو ما يساعدها على الحفاظ على أرباحها الحقيقية.

وبذلك تصبح الأسهم أقل عرضة لتآكل قيمتها مقارنة بالأصول التي تمنح عوائد نقدية ثابتة.

في المقابل، كانت السندات من أكبر الخاسرين خلال موجة التضخم الأخيرة. فالسندات التقليدية تمنح المستثمر مدفوعات ثابتة بالقيمة الاسمية، ما يجعلها أكثر حساسية لارتفاع الأسعار، إذ تتراجع القيمة الحقيقية للعائد الذي يحصل عليه المستثمر مع مرور الوقت.

أسعار الفائدة

كما أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى انخفاض أسعار السندات القائمة في الأسواق، لأن المستثمرين طالبوا بعوائد أعلى تعوضهم عن التضخم والمخاطر المستقبلية.

وتشير التقديرات إلى أن مؤشراً لسندات الخزانة الأمريكية فقد أكثر من 20% من قيمته الحقيقية خلال السنوات الأخيرة، نتيجة التأثير المزدوج المتمثل في ارتفاع التضخم وصعود العوائد.

ولا يقتصر تأثير التضخم على الأسهم والسندات فقط، بل يمتد إلى معظم فئات الأصول. فالذهب، الذي يعد تقليدياً ملاذاً آمناً للتحوط من التضخم، شهد أيضاً تقلبات حادة.

فعلى الرغم من استمرار ارتفاع الأسعار، فقد المعدن الأصفر نحو ربع قيمته السوقية منذ إحدى قممه الأخيرة، وسط اعتقاد بأن موجة الإقبال الكبيرة عليه دفعت أسعاره إلى مستويات مبالغ فيها، قبل أن تبدأ عمليات التصحيح.

العقارات التجارية

كما تعرضت العقارات التجارية لضغوط واضحة، خاصة خلال عام 2022، عندما أدى الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة إلى تراجع قيمتها، بالتزامن مع انخفاض أسعار الأسهم والسندات، في مشهد عكس حجم التحديات التي فرضتها السياسة النقدية المشددة.

ويشير خبراء الأسواق إلى أن التضخم لا يؤدي فقط إلى تراجع القوة الشرائية للعملات، بل يغير أيضاً سلوك المستثمرين والمستهلكين.

فعندما ترتفع الأسعار بصورة مستمرة، تصبح القرارات الاستثمارية أكثر حساسية لأي تطورات اقتصادية أو سياسية، وتزداد تقلبات الأسواق نتيجة تغير التوقعات بشكل متكرر.

كما أن استمرار التضخم لفترات طويلة يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى على مختلف الأصول، وهو ما يزيد تكلفة التمويل بالنسبة للشركات والحكومات، ويؤثر في قرارات الاستثمار والاستهلاك على حد سواء.

البنوك المركزية

وفي الوقت ذاته، تواجه البنوك المركزية معضلة معقدة.

فالإصرار على تشديد السياسة النقدية قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد، بينما قد يؤدي التراخي في مكافحة التضخم إلى ترسيخ توقعات بارتفاع الأسعار لفترات طويلة، وهو ما يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة في المستقبل.

ولهذا، يبدو أن الأسواق بدأت تتقبل فكرة أن التضخم قد يبقى أعلى من المستويات المستهدفة لفترة ممتدة، وأن البنوك المركزية قد تضطر إلى التعايش مع هذا الواقع بدلاً من المخاطرة بإدخال اقتصاداتها في ركود عميق.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الأهم لم تعد البحث عن السيناريو المثالي، وإنما بناء محافظ قادرة على التكيف مع عالم يتسم بتضخم أعلى وتقلبات أكبر.

ويعني ذلك التركيز على الأصول التي تمتلك القدرة على الحفاظ على قيمتها الحقيقية، وتنويع الاستثمارات، والاستعداد لفترات من التقلب قد تصبح السمة الدائمة للأسواق العالمية.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن سيناريو «الهبوط الصفري» لم يعد مجرد احتمال نظري، بل تحول إلى إطار جديد تتعامل معه الأسواق المالية.

وربما لا يكون هذا العالم أكثر راحة للمستثمرين، لكنه أصبح الواقع الذي يتعين عليهم التكيف معه، حيث لم يعد السؤال المطروح هو متى سينتهي التضخم، بل كيف يمكن تحقيق أفضل العوائد في ظل استمراره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى