الكويت تواجه التقلبات الجيوسياسية برؤية مالية طويلة الأجل مدعومة باحتياطي مالي قوي

- زيادة الإنفاق الاستثماري يعكس التزام الدولة بدفع عجلة التنمية وتنفيذ المشاريع الحيوية لتعزيز البنية التحتية وتحفيز النمو الاقتصادي
- إبقاء تقديرات الميزانية العامة دون تغيير يأتي في إطار الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الكويتي رغم ظروف الحرب
- نهج متزن في إدارة المالية العامة مستندةً إلى رؤية استراتيجية تعزّز الاستقرار وتحد من تأثير التقلبات الخارجية
- الانفاق الرأسمالي يتضمن 668 مشروعا منها 117 مشروعا جديدا بـ 3 مليارات دينار
- زيادة الانفاق الرأسمالي الى 11.8% يعكس الالتزام بدفع عجلة التنمية
- الكويت من الدول القليلة ضمانا للودائع بما يعزز الثقة بالنظام المصرفي
- توقعات بنمو القطاعات غير النفطية الى 3%مدعومة بالتنوع الاقتصادي
- رياض الفرس: ارتفاع الإنفاق الرأسمالي يعتبر مؤشراً جيداً على الاستمرار في التحول التصحيحي في الميزانية
- صادق البسام: تأكيد وزير المالية على ضمان الودائع في الكويت عزز الثقة في البنوك الكويتية
- محمد الجوعان: زيادة الإنفاق الاستثماري تعكس تحولاً استراتيجياً في إدارة المالية العامة باتجاه تحفيز النمو
في ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة وما يصاحبها من توترات جيوسياسية وانعكاسات اقتصادية متباينة تواصل دولة الكويت نهجها المتزن في إدارة المالية العامة مستندة إلى رؤية استراتيجية تعزز الاستقرار وتحد من تأثير التقلبات الخارجية.
وجاء قرار الإبقاء على تقديرات الميزانية للسنة المالية (2026-2027) دون تغيير ليؤكد هذا التوجه القائم على التخطيط بعيد المدى والإصلاح الهيكلي بمنأى عن التقلبات الآنية مع زيادة الإنفاق الاستثماري الذي يعكس التزام الدولة بدفع عجلة التنمية وتنفيذ المشاريع الحيوية لتعزيز البنية التحتية وتحفيز النمو الاقتصادي المستدام.
ويأتي هذا التوجه رغم الظروف الجيوسياسية المعقدة في المنطقة وتأثيراتها المحتملة على أسواق الطاقة والبنية التحتية إذ يرى الخبراء أن الميزانية ليست أداة استجابة فورية بل هي إطار تخطيطي متوسط الأجل يهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.
في السياق أكد خبراء اقتصاديون وأكاديميون في لقاءات مع (كونا) أن إبقاء تقديرات الميزانية العامة لدولة الكويت للسنة المالية الحالية (2026-2027) دون تغيير يأتي في إطار الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الكويتي على الرغم من ظروف الحرب في المنطقة والاعتداءات الإيرانية الغاشمة على البنى التحتية خصوصا أن بنود الميزانية شهدت ارتفاعا كبيرا في الإنفاق الاستثماري على المشاريع التنموية.
ارتفاع الإنفاق الاستثماري
قال أستاذ الاقتصاد في جامعة الكويت الدكتور رياض الفرس إن الارتفاع الكبير في الإنفاق الاستثماري في ميزانية السنة المالية الحالية لافت للنظر وله أثر إيجابي لاسيما أن هذا الإنفاق قفز بنسبة 8ر36 في المئة مقارنة بالسنة المالية السابقة.
وأوضح الفرس أن نسبة الإنفاق الرأسمالي ارتفعت من إجمالي الإنفاق الحكومي من 1ر9 في المئة إلى 8ر11 في المئة خلال نفس الفترة إذ يشكل بند المشاريع الإنشائية والصيانة الجذرية الجزء الأكبر من الإنفاق الرأسمالي بمبلغ يصل إلى نحو ملياري دينار (نحو 6ر6 مليار دولار) ويتضمن إنشاء وصيانة المباني الحكومية ومرافق الخدمات المدنية والاجتماعية والمباني الصناعية وأصول البنية التحتية من طرق وموانئ وصرف صحي وشبكة الكهرباء.
وأضاف أنه بعد هذا البند يأتي بند شراء الأصول غير المتداولة غير المالية الملموسة الذي تبلغ قيمته 625 مليون دينار (نحو ملياري دولار) ويشمل شراء الأراضي والمباني والآلات ومعدات النقل.
وذكر أن ارتفاع الإنفاق الرأسمالي بلا شك يعتبر مؤشرا جيدا على الاستمرار في التحول التصحيحي في الميزانية من خلال توجيه الموارد المالية لزيادة التكوين الرأسمالي في الاقتصاد والذي يتميز عن الإنفاق الجاري بأنه يدر عائدا اقتصاديا بحيث يأخذ العائد المالي شكل التدفقات النقدية وكذلك العائد الاجتماعي شكل تحسين البنية الاجتماعية من صحة وتعليم.
تقديرات الميزانية
وبسؤاله عن عدم تغيير وزارة المالية للتقديرات في الميزانية العامة سواء للمصروفات أو الإيرادات أو سعر النفط على الرغم من الأحداث والتصعيد الأخير في المنطقة رأى أن هذا القرار يرجع لسببين الأول أن الحرب بدأت خلال الشهر الأخير من السنة المالية السابقة والتي ستنعكس آثارها عليها.
وقال الفرس إن السبب الثاني هو وجود حالة من التفاؤل بقرب انتهاء الحرب مضيفا “بلا شك سيرتفع الإنفاق العام خصوصا فيما يتعلق بالجانب العسكري والأمني إضافة إلى ارتفاع بند الدعوم الذي يشمل تكلفة دعم الوقود والكهرباء نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط”.
وعن أهمية تأكيد وزير المالية الدكتور يعقوب الرفاعي في موجزه الصحفي مؤخرا على موضوع ضمان الودائع أكد الفرس أنها رسالة واضحة للجميع سواء البنوك والمؤسسات المالية وحتى عامة الناس بأن الودائع البنكية مضمونة وفقا لنص القانون رقم 30 لسنة 2008 بشأن ضمان الودائع لدى البنوك المحلية في دولة الكويت.
وأضاف أن الكويت تعد من الدول النادرة في العالم التي توفر ضمانا كاملا لقيمة الودائع البنكية دون تحديد سقف أعلى كما هو معمول به في الولايات المتحدة التي تحدد حدا أقصى لقيمة الودائع المضمونة لا يتجاوز 250 ألف دولار مستدركا “يجب أن يطمئن الجميع بأنه لا توجد حاجة لتحويل الودائع إلى الخارج أو إلى عملات أخرى أو سحبها من البنوك والاحتفاظ بها نقدا”.
,لفت إلى أن هذا الإعلان جاء بالتوازي مع الإجراءات التحفيزية التي اتخذها بنك الكويت المركزي لتعزيز السيولة لدى البنوك المحلية وضمان استمرار قيامها بتمويل الأنشطة الاقتصادية لتجنب أي انخفاض في مستويات الائتمان المصرفي الذي يشكل عاملا دافعا للاقتصاد.
خطة الإنفاق الرأسمالي
من جانبه قال رئيس قسم المحاسبة في كلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت الدكتور صادق البسام إن خطة الإنفاق الرأسمالي في الميزانية العامة الحالية والمقدرة قيمتها بثلاثة مليارات دينار (10 مليارات دولار) تذهب إلى مشاريع كبرى وذلك على الرغم من العجز المالي المقدر مما يستدعي استمرار الإصلاحات الهيكلية.
وأوضح البسام أن إجمالي النفقات يقدر بـ 1ر26 مليار دينار (نحو 86 مليار دولار) بزيادة قدرها 2ر6 في المئة عن الميزانية السابقة وتشكل الرواتب والإعانات 76 في المئة من الإنفاق بإجمالي 8ر19 مليار دينار (نحو 65 مليار دولار) مشيرا إلى أن ارتفاع النفقات الرأسمالية بنحو الثلث جاء بسبب المشروعات الرأسمالية مثل مطار الكويت الجديد وميناء مبارك الكبير ومشروع كبد.
وشدد على أهمية تأكيد وزير المالية على ضمان الودائع في الكويت باعتبار أن “رأس المال جبان” إذ عزز هذا التأكيد الثقة في البنوك الكويتية ومتانة المصدات المالية التي تتمتع بها المالية الكويتية ودعم الحكومة للصناعة المصرفية.

انتعاش الاقتصاد
وأشار إلى أن التوقعات السابقة للاقتصاد الكويتي أظهرت انتعاشا قويا خلال العام الحالي بنمو نسبته ما بين 8ر3 إلى 9ر3 في المئة مدفوعا بزيادة إنتاج النفط عقب تخفيف تخفيضات تحالف (أوبك بلس) وتعزيز النمو في القطاعات غير النفطية.
وتابع أن هذه التوقعات الإيجابية تحولت إلى سلبية في ضوء الحرب والاعتداءات الإيرانية غير المبررة المتكررة على البنية التحتية والتجهيزات النفطية والغازية والبتروكيماوية الكويتية وكذلك إغلاق مضيق هرمز وما صاحبه من توقف تصدير النفط الخام والمشتقات البترولية المختلفة.
وقال إن التوقعات كانت تشير إلى نمو القطاعات غير النفطية إلى نحو 6ر2 و3 في المئة مدعومة بنشاط المشاريع وجهود التنويع الاقتصادي خصوصا أن الإنفاق الرأسمالي في الميزانية الحالية شمل 117 مشروعا جديدا و551 مشروعا بتكاليف تقدر بنحو ثلاثة مليارات دينار (10 مليارات دولار).
وتوقع ارتفاع معدل التضخم الرئيسي إلى نحو 3 في المئة العام الحالي مبينا أن من أهم التغيرات الهيكلية والإصلاحات المطلوبة هي الضرائب إذ من المتوقع أن تسهم ضريبة الشركات متعددة الجنسيات التي طبقت منذ 2025 في تعزيز الإيرادات غير النفطية في عام 2026.
وأكد البسام أن تنفيذ الإصلاحات وزيادة وتيرة الإصلاحات الهيكلية والتشريعية ما زال حاسما للتنويع طويل الأجل لاسيما أن السيناريو السلبي للميزانية حاليا هو “استمرار الحرب فترة طويلة”.
تحول استراتيجي
من جانبه اعتبر أمين سر الجمعية الاقتصادية الكويتية محمد الجوعان أن زيادة الإنفاق الاستثماري تعكس تحولا استراتيجيا في إدارة المالية العامة باتجاه تحفيز النمو بدل الاكتفاء بإدارة العجز الحكومي وتدفع بثلاثة اتجاهات متوازنة أولها تسريع تنفيذ المشاريع المتأخرة ومعالجة فجوة البنية التحتية وتهيئة الاقتصاد لمرحلة الركود.
وقال الجوعان إن هذا الإنفاق من الناحية العملية “ليس توسعا بقدر ما هو تصحيحي” معتبرا أن التحديث الحقيقي ليس في حجم الإنفاق بل في كفاءة صرفه إذ تبقى الإنتاجية الاقتصادية لكل دينار مستثمر هي المعيار الحاسم.
وفيما يخص عدم تغيير التقديرات لأرقام الميزانية العامة رغم الظروف الجيوسياسية المعقدة في المنطقة أكد أن إبقاء هذه التقديرات دون تعديل يعكس نهجا محافظا قائما على الاستقرار المالي وتجنب التقلبات قصيرة الأجل إذ تعمل وزارة المالية مع الميزانية كأداة تخطيط متوسط الأجل وليس كمنصة تفاعل يومي مع المتغيرات الجيوسياسية كما أن تثبيت سعر برميل النفط والتقديرات يعزز مصداقية السياسة المالية ويحد من إرسال إشارات متضاربة للأسواق.
وأوضح أن قرار عدم تغيير التقديرات باختصار يترجم أولوية الاستمرارية والانضباط على حساب الاستجابة اللحظية وهو توجه متماسك إذا دعمه احتياطي مالي قوي.
وأشار إلى أن تأكيد الوزير الرفاعي على ضمان الودائع هو رسالة سيادية واضحة لتعزيز الثقة في النظام المصرفي خصوصا في بيئة إقليمية مضطربة إذ يقلل من احتمالات السحب الجماعي للودائع ويعزز الاستقرار المالي ما ينعكس مباشرة على تكلفة التمويل والسيولة في القطاع المصرفي من منظور استراتيجي.
وشدد الجوعان على أن هذه الخطوة ليست إجراء احترازيا فقط بل أداة لحماية الثقة وهي أهم أصل غير ملموس في أي نظام مصرفي.




