نفط وذهب وعملات

الوزان: القاعدة الإنتاجية متهالكة والحل يكمن في توطين «القطاع الخاص»

*عجز متوقع في موازنة 2025/2026 ب 12.2 مليار دينار، ما يعادل 30% من إجمالي الإنفاق العام

*جوهر الإصلاح يكمن في تحويل السيولة إلى رأس مال منتج عبر سياسات تمويل واستثمار ذكية توازن بين الكفاءة المالية والتحفيز

 

دعا الباحث في الشؤون النفطية والاقتصادية طارق الوزان، إلى ضرورة بحث مقترحات أو دراسات لتحسين الإيرادات المالية عبر وسائل استثمارية للمقومات المتاحة، مؤكداً أنه لم يعد الإصلاح المالي هدفاً لتغطية عجوزات الموازنة بل يجب أن يكون وسيلة لبناء اقتصاد منتج ومستدام.

واضاف الوزان إن تباطؤ النمو وضعف القاعدة الإنتاجية رغم وفرة الموارد والثروة المالية يعكس وجود خلل سابق وحاضر في اتخاذ الحلول السريعة التي تعالج جذور مشكلات الضعف الاقتصادي ومستويات التضخم التي تشهدها الكويت حالياً حيث إن العجز المالي المزمن لدينا ليس نتاج دورة أسعار النفط وحدها، بل نتيجة تراكم خلل هيكلي في نموذج النمو الاقتصادي.

وقال الوزان: إن هذه تمرّ المرحلة الدقيقة التي نعيشها على المستويين المالي والاقتصادي تتطلب قرارات جريئة وعاجلة وقيادية لإنقاذ الوضع الراهن والذي قد يؤثر على الوضع المالي المستقبلي مبيناً المؤشرات الرسمية والصادرة عن بنك الكويت المركزي لعام 2024 تتكشف عن انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.6% نتيجة تراجع الناتج النفطي 6.9% مقابل نمو متواضع للقطاعات غير النفطية بما لا يتجاوز 1.8% ورغم استقرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة نسبياً، فإن تلك الأرقام تؤكد استمرار هشاشة القاعدة الإنتاجية وضعف التنويع الهيكلي في مصادر الدخل الوطني.

وأوضح أن تقديرات مركز الشال تشير إلى عجز متوقع في موازنة 2025/2026 يبلغ 12.2 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 30% من إجمالي الإنفاق العام، في ظل اعتماد يفوق 91%على الإيرادات النفطية، وارتفاع الإنفاق الجاري إلى 85% من المصروفات، نصفها تقريباً موجه للرواتب والدعم.

وبين الوزان أن هذه المعطيات لا تعبّر عن أزمة سيولة بقدر ما تكشف عن وجود خللاً في كفاءة توظيف رأس المال العام؛ إذ يُستخدم الدين العام الذي لا يتجاوز 15% من الناتج المحلي لتمويل النفقات الجارية لا الاستثمارات الإنتاجية وهكذا تبدو الكويت دولة غنية بالسيولة، لكنها فقيرة في استثمارها اقتصادياً، ما يعكس خللاً في أولويات الإنفاق بين الاستهلاك والإنتاج، وبين إدارة الوفرة وصناعة النمو.

ويرى الوزان وخبراء الاقتصاد أن جذور الخلل تكمن في تضخم القطاع العام كمصدر رئيسي للتوظيف، واعتماد الموازنة على النفط كمورد شبه وحيد، وتوجيه الفوائض نحو الإنفاق الحالي بدلاً من الاستثمار الإنتاجي، وضعف مشاركة المواطنين في الاقتصاد الحقيقي، إلى جانب اختلال سوق العمل المعتمد على عمالة وافدة منخفضة الإنتاجية.

وتابع: إن التحول الاقتصادي لا يتحقق عبر خفض الإنفاق أو فرض الضرائب فقط، بل من خلال إعادة تصميم آلية الإنفاق العام لتصبح كل وحدة مالية أداة إنتاجية مشيراً إلى أن جوهر الإصلاح يكمن في تحويل السيولة إلى رأس مال منتج عبر سياسات تمويل واستثمار ذكية توازن بين الكفاءة المالية والتحفيز الاقتصادي.

وذكر الوزان أن تحقيق الإصلاح المالي والاقتصادي يتطلب وضع هيكلة سريعة تبني على أعداد برنامج إصلاحي قصير ومتدرج المدى يرتكز على منظومة مترابطة من الإجراءات تشمل:إعادة هيكلة الموازنة بفصل الإنفاق التشغيلي عن الاستثماري وربط كل بند بمؤشرات أداء قابلة للقياس وتأسيس صندوق وطني للإنتاج المحلي بتمويل مشترك من صندوق الأجيال والقطاع المصرفي، لتوجيه السيولة نحو الصناعات التحويلية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة ذات القيمة المضافة.

وتابع كذلك يجب تفعيل أدوات تمويل مبتكرة مثل الصكوك التنموية ونظام التأجير وإعادة التأجير (Lease–Leaseback) لتوليد السيولة دون المساس بالاحتياطات وتحسين الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح منظومة الرسوم والضرائب الانتقائية ورفع كفاءة التحصيل الحكومي وإصلاح سوق العمل بربط الدعم الحكومي بالإنتاجية، وتحفيز برامج التدريب الصناعي والتقني بما يربط الكفاءة بالتوظيف إلى جانب توسيع الصناعات التحويلية القائمة على منتجات إيكويت باعتبارها منصة وطنية لتوليد القيمة الصناعية.

وشدد على ضرورة بناء اقتصاد معرفي يعتمد على الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة لتوطين التكنولوجيا ورفع الإنتاجية وتعزيز دور الكويت كمركز مالي ولوجستي يربط الشرق بالغرب ضمن منظومة التجارة الذكية لاسيما الاستثمار في التعليم والتقنية والطاقة النظيفة كركائز طويلة المدى للنمو والإبداع الصناعي منوهاً إلى أن تلك الأدوات تمثل انتقالاً من إدارة العجز إلى هندسة النمو، ومن معالجة الأعراض إلى إصلاح الأسباب، ومن الاعتماد على الموارد إلى صناعة القيمة من الداخل.

وقال إن أي إصلاح مالي أو إنتاجي يتطلب قيادة مؤسسية موحدة بين الأجهزة التنفيذية، لأن السياسات المالية والنقدية والاستثمارية لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل يجب أن تتكامل ضمن إطار كلي موحّد للسياسات الاقتصادية حيث تبرز أهمية إنشاء لجنة عليا للإصلاح المالي والإنتاجي برئاسة سمو رئيس مجلس الوزراء، تضم وزارة المالية وبنك الكويت المركزي والهيئة العامة للاستثمار والصندوق الوطني للمشروعات الصغيرة، لتوحيد الرؤية وتحديد أولويات الإنفاق ومتابعة الأثر الاقتصادي بشكل دوري.

وافاد الوزان أن دور اللجنة ستكون مسؤولة عن ضمان تحويل القرارات إلى نتائج قابلة للقياس وربط السياسات اليومية بالأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، مثل رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي إلى 50% خلال عقد واحد وبلا هذا التكامل المؤسسي، ستبقى كل سياسة تعمل في فراغ، مهما كانت نواياها الإصلاحية صادقة.
والمؤسسات القوية وحدها قادرة على جعل الإصلاح سياسة دولة لا مبادرة عابرة، وعلى تحويل الرؤية إلى ممارسة مستدامة.

تحويل الفوائض إلى مصانع

أوضح الوزان أن تحويل الفوائض إلى مصانع، والكوادر الوطنية إلى طاقة إنتاجية، والسياسات المالية إلى أدوات نمو، تتحقق السيادة الاقتصادية بمعناها الحديث حيث أصبح التحول الإنتاجي ضرورة وجودية لا مجرد خيار مالي وخاصة أمام ما يحدث من تتراجع فيه أهمية الثروة الطبيعية أمام رأس المال المعرفي، ستُقاس مكانة الدول بقدرتها على خلق القيمة من داخلها، لا بما تملكه من الخارج.

الاقتصاد الإنتاجي ضمانة للأمن الوطني

قال الوزان: إن بناء اقتصاد إنتاجي متنوع ليس فقط ركيزة للاستدامة المالية، بل ضمانة للأمن الوطني والقدرة على الصمود أمام تقلبات العالم، فالإصلاح الإنتاجي ليس ترفاً اقتصادياً ولا شعاراً تنموياً، بل خيار سيادي حتمي لبقاء الكويت قوية بسيادتها، قادرة على توليد القيمة من داخلها واستدامة ازدهارها من مواردها الذاتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى