أهم الاخبارمقالات

هل يحلق قطاع الطيران فوق العاصفة الاقتصادية في 2025؟

رحلة الصيف تبدأ بالتذاكر… وتنتهي بتحليل عالمي لصناعة الطيران

 

بقلم د. محمد جميل الشبشيري :

مع بداية موسم الصيف، يبدأ الملايين حول العالم رحلة البحث عن تذاكر طيران بأسعار مناسبة، يقلبون مواقع الحجز، يقارنون بين الوجهات، يتساءلون: هل نطير إلى أوروبا أم نكتفي بعطلة داخلية؟ هل نحجز الآن أم ننتظر العروض؟ وفي خضم هذا الزخم السنوي المألوف، تبرز تساؤلات أعمق حول مستقبل السفر الجوي ذاته:
هل يواصل قطاع الطيران نموه في عالم يتباطأ اقتصاديًا؟ وهل تصبح التذكرة أرخص أم حلمًا بعيد المنال؟

بينما يتباطأ الاقتصاد… الطائرات تواصل التحليق

في الوقت الذي تخفض فيه مؤسسات دولية توقعاتها لنمو الاقتصاد العالمي إلى 2.5% فقط في 2025 (بعد 3.3% في 2024)، نتيجة توترات جيوسياسية وتوقعات بركود تجاري، تُظهر صناعة الطيران قدرة لافتة على مقاومة هذه الرياح المعاكسة.

تقرير حديث صادر عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) يشير إلى أن القطاع يتجه لتحقيق أرباح صافية تصل إلى 36 مليار دولار في 2025، ارتفاعًا من 32.4 مليار في 2024. هذه الأرقام قد تفاجئ البعض، لكنها تعكس حقيقة أن الطيران لم يعد مجرد رفاهية، بل حاجة مترسخة في أنماط الحياة والعمل والسياحة.

السفر الصيفي: أسعار أقل وسط التضخم؟

الأخبار الجيدة لموسم الصيف هذا العام ليست قليلة. فبينما يشعر كثيرون بأن كل شيء بات أغلى – من القهوة إلى البنزين – تتوقع إياتا أن ينخفض متوسط سعر تذكرة الطيران إلى 380 دولارًا، أي أقل بـ 1.8% من العام الماضي.

هذا الانخفاض يعود أساسًا إلى تراجع سعر وقود الطائرات، الذي لطالما كان أكبر عبء تشغيلي على شركات الطيران. ومع توقعات بانخفاض متوسط سعر برميل الكيروسين إلى 86 دولارًا، بدأت الشركات تتنفس الصعداء – وربما ينعم المسافرون ببعض من هذا الأثر.

من البحث عن عروض… إلى فهم الواقع العالمي

المسافر العادي، أثناء تصفحه لمواقع الحجز هذا الصيف، قد لا يدرك أن خلف كل سعر تذكرة تقف شبكة معقدة من التحولات الاقتصادية العالمية:
• آسيا، مثلاً، تقود النمو بقوة، مع توقعات بزيادة حركة المسافرين بنسبة 9%، بفضل تخفيف القيود وتأشيرات الدخول في دول مثل الصين وماليزيا وتايلاند.
• أما في أمريكا الشمالية، فلا تزال الأرباح الأعلى تتحقق، رغم تأثيرات الرسوم الجمركية والنزاعات التجارية.

المسافرون في المنتصف: بين رغبة الاكتشاف ومحدودية الخيارات

رحلة التخطيط للسفر باتت اليوم أشبه بـ”إدارة مشروع مصغر”:
• المقارنة بين الحجز المباشر والمجمل عبر منصات الحجز
• المفاضلة بين شركة طيران تقليدية وأخرى منخفضة التكلفة
• الموازنة بين توقيت الرحلة ومدة الترانزيت
• اختيار الوجهة بناءً على سعر التذكرة وتكاليف الإقامة

هذه الحيرة تعكس واقع شركات الطيران أيضًا، التي انتقلت في السنوات الأخيرة من استراتيجية “النمو بأي ثمن” إلى عقلية المرونة الذكية. لم تعد تشتري الطائرات الجديدة بسرعة، بل تركز على المسارات الأكثر ربحية، وتستثمر في الكفاءة التشغيلية.

العقبات التي لا يراها الراكب

رغم الصورة الإيجابية، لا تخلو السماء من بعض الغيوم.
• تأخيرات تسليم الطائرات الجديدة من بوينغ وإيرباص ترهق الخطط التشغيلية، وتُبقي الشركات معتمدة على طائرات أقدم وأغلى في الصيانة.
• الضغوط التجارية والسياسية، خصوصًا في أمريكا والهند، تؤثر على قرارات السفر والشحن، ما دفع بعض شركات الطيران لتخفيض توقعاتها لعائدات الشحن بنسبة 4.7%.

نحو مستقبل أكثر استدامة وكفاءة

وبينما يبحث البعض عن تذكرة أرخص، وآخرون عن فندق بإطلالة على البحر، يتحرك قطاع الطيران نحو تغييرات جذرية:
• وقود طيران مستدام بدأ يشق طريقه، مع توقعات بتضاعف إنتاجه ليبلغ مليوني طن
• طائرات جديدة مثل A321XLR تعد برحلات أطول وأكثر كفاءة
• دخول شركات جديدة إلى السوق مثل “طيران الرياض”
• توسعات طموحة مثل خطط دلتا لتسيير 700 رحلة أسبوعية عبر الأطلسي

الخلاصة: طائرة تحلق فوق العاصفة

بينما يمضي المسافرون في حجز عطلاتهم، يبدو قطاع الطيران وكأنه طائرة تحلق وسط اضطرابات جوية. صحيح أن الرياح قوية – من أسعار الوقود إلى التوترات التجارية – لكن الطيارين (أي المدراء التنفيذيين) يقودون بمهارة، والمُحرّكات (أي النمو في آسيا وتراجع التكاليف) لا تزال تعمل.

فهل ينجو القطاع؟
الجواب الأقرب للواقع: نعم، ولكن بحذر.
السماء ليست صافية تمامًا، لكنها ليست قاتمة أيضًا. وبينما يحزم المسافرون حقائبهم هذا الصيف، يبدو أن الطيران سيبقى أحد أجنحة الاقتصاد التي ترفض الاستسلام للركود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى