الرئيسية / مقالات / تواصل × تواصل

تواصل × تواصل

طالعتنا الصحف والقنوات الإخبارية بأنباء عن خروج التظاهرات هناك لتعبر عن إستيئائها من سوء الأحوال الإقتصادية ، وإلي هنا فإن هذا الخبر لم يأتي بجديد وبدا المشهد طبيعيا ويتكرر في الكثير من بلدان العالم ، إلا أن الجديد في هذا الخبر أن التظاهرات التي خرجت قد خرجت بالدرجة الأولي للتعبير عن غضبها ليس فقط من سوء الأحوال الإقتصادية ولكن لأسباب تفوق سوء الأحوال الإقتصادية ، لقد خرجت الجماهير بصفة أساسية بسبب مساس الحكومة بأحد أهم تطبيقات وسائل التواصل الإجتماعي وهو تطبيق واتسآب، وهو أمر لم يحدث مسبقاً أن تخرج الجماهير لتعلن عن غضبها من مساس الحكومات من أحد تطبيقات التواصل الإجتماعي، ولتعلنها صريحة أن وسائل التواصل الإجتماعي خط أحمر لا يجب الإقتراب منه ، وإن وسائل التواصل الإجتماعي أصبحت أكثر أهمية من الأحوال الإقتصادية ، وهو وضع يستحق التوقف عنده ، وحالة جديدة تستحق الرصد والتعليق. فقد أصبحت وسائل التواصل الإجتماعي هي المتنفس الوحيد بل الأوحد للجماهير للتعبير والتواصل فيما بينها ومع الأخرين ، فالجماهير قد تستطيع تحمل الفقر وتستطيع الصبر عليه ، وتستطيع تحمل الأزمات الإقتصادية والصبر عليها، ولكنها لم تعد تتحمل المساس بوسائل التواصل الإجتماعي ولا تستطيع الصبر عليها ، وهذا هو الجديد.
وعلي مرمي البصر من لبنان وعلي بعد دقائق من أحد عجائب الدنيا السبع والأهرامات الثلاث في مصر وفي ميدان التحرير أشهر ميادينها حيث لعبت وسائل التواصل الإجتماعي دوراً هاماً وبارزاً في إشعال ثورة 25 يناير حيث إستطاعت تطبيقات الفيسبوك وتويتر تحويل الإحتجاجات الفردية الضيقة في ذلك الوقت إلي قوي حقيقية منظمة وحولتها من ثورة إفتراضية علي مواقع التواصل الإجتماعي إلي ثورة حقيقية تشهد أحداثاً حقيقية علي أرض الميدان.
وفي الجهة الأخري من العالم حيث دولة الصين العظيمة والدولة الأكبر في العالم بعدد سكان يتجاوز الألف وثلاثمائة مليار نسمة ما يرشحها أن تكون الدولة الأكثر إستخداماً لمواقع التواصل الإجتماعي. وعلي الرغم من أن أكثر من نصف سكان الصين هناك يستخدمون الإنترنت إلا أن الحكومة الصينية قد إستوعبت الدرس مبكراً وتعاملت مع وسائل التواصل الإجتماعي بحرص وحزم شديدين ، حيث قررت إنشاء نظام متكامل للتحكم في الإنترنت داخل الصين ، وقامت بإنشاء جدار ناري ضخم يحجب العديد من المواقع الغربية والأجنبية ويجعلها الصيني منها أكثر تفردا وتميزا.
وإنطلاقا من لبنان ومرورا بتجارب مصر والصين ندرك الأثر الكبير لمواقع التواصل الإجتماعي في تشكيل وجدان ووعي وثقافة قطاعات عريضة من الجماهير في جميع أنحاء العالم، وندرك أهمية التعامل مع هذه المواقع . وإذا كانت المؤشرات والدراسات تشير إلي مدي قوة وخطورة وسائل التواصل الإجتماعي ودورها الرئيسي في حياة الكثيرين منا ، ودورها المحوري في زيادة قدراتنا علي مواكبة المعلومات علي إختلاف مصادرها وتحليلها وفهمها ، ومساهمتها في زيادة قدراتنا علي التعبير والتفاعل مع الواقع الجديد والأفكار الجديدة كذلك.
وما يحدث من تطورات سريعة علي مستوي الذكاء الإصطناعي في الكثير من المجالات يرشح وسائل التواصل الإجتماعي للظهور في حلة جديدة متجددة دائماً لتؤكد تفوق الذكاء الإصطناعي علي الإنسان في الكثير من المجالات، حتي تلك التي شهدت سيطرة الإنسان عليها تاريخياً ، فعلي المستوي الإقتصادي فإن الكثير من الوظائف سوف تختفي تماماً ليحل محلها صورة من صور الذكاء الإصطناعي، وعلي مستوي الإنتاج وأداء الأعمال فمن المؤكد أيضاَ أن منتجات الذكاء الإصطناعي سوف تكون أكثر وفرة وأكثر إلحاحاً وربما أكثر قبولا لدي المستخدمين، وعلي مستوي الساسة ودروب السياسة سوف تقتصر علي بضعة تطبيقات ، وعلي مستوي الحراك السياسي فإن التظاهرات في المستقبل قد تتحول إلي تظاهرات إلكترونية والهتافات قد تتحول إلي عدد من الكليكات والشعارات الإلكترونية، وسوف تتطور وسائل التواصل الإجتماعي بشكل قوي وأسرع مما كنا نتخيل، ونأمل حنيئذ أن يكون لدينا من القدرة والمرونة ما يمكننا من تدراك متغيراتها والتأقلم والتعامل والتجاوب معها. وفي النهاية فإنه إذا كانت العلاقة بين الإقتصاد والسياسة علاقة أبدية فإن العلاقة بين وسائل التواصل الإجتماعي و” الذكاء الإصطناعي” قد أصبحت أزلية ، وأن العلاقة بين وسائل التواصل سوف تنمو وتتسع أثرا وتزداد قوة وقد تحتاج إلي تواصل.
والحقيقة المؤكدة أن مستقبل الذكاء الإصطناعي يبدو رائعاً بالفعل ، ولكن مستقبل الذكاء البشري ليس بنفس المستوي من الروعة ، وأن مستقبل وسائل التواصل الإجتماعي مبهر كذلك ودورها في الأحداث الفردية والدولية والسياسية كبير دون أدني شك ، ولكن أثارها سواء الإيجابية منها أو السلبية أكثر إبهاراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *