الرئيسية / مقالات / النبوغ المبكر

النبوغ المبكر

د. مصطفى محمد عجمى
تتباين أنماط البشر التي نتعامل معها في الحياة بصفة عامة، إلا أن أبرز هذه الأنماط هي تلك التي نتعامل معها في دوائر أعمالنا وأقطار أشغالنا وزملاء العمل بصفة خاصة والذين نقضي معهم معظم أوقاتنا ويشغلون جل إهتمامنا وأجمل أوقاتنا، ونعاني معهم أحلك الأوقات في أعمالنا ، ولهذا فإن نتائج أغلب أعمالنا تتأثر بشكل كبير بنجاح التواصل معهم. في تخفيف الكثير من الضغوط. ومن أكثر الأوقات إثارة مع زملاء العمل هي لحظات تبادل الأراء في قدراتهم الذهنية. فقد يدعي البعض النبوغ المبكر ، ويدعي أخرون إمتلاك قدرات كبيرة مدفونة ، وفي النهاية فإن مع إستمرار الزمالة والتعامل اليومي لسنوات طويلة تنجلي أنباء النبوغ وتتكشف معها الكثير من الحقائق والأسرار.

وقد تتباين القدرات الذهنية لزملاء العمل وتتباين أثارها. وبهذه المناسبة يحضرني رواية طريفة لأحد أصدقائي عن النبوغ المبكر، حيث كانت الشركة التي يعمل بها صديقي في ذلك الوقت تعاني من بعض التعثر الناتج عن “سوء الإدارة ” والذي تسبب فيه أحد أهم الموظفين من ساكني الطوابق العليا في الهيكل التنظيمي للشركة والذي تسببت إدارته ” الرشيدة ” في تراجع الكثير من مؤشرات الأداء للشركة. ويروي لي صديقي محاولاته وزملاؤه التواصل مع هذا المدير لتقديم النصح والمشورة، ومناقشة وسائل التعامل مع الأزمة إلا أن كل الأبواب قد بدت أمامهم موصدة نتيجة عناده وضيق فكره وإعتداده برأيه.

وقد فكر صديقي في الإستعانة بأراء المهتمين بعلم النفس ومهارات التواصل الإنساني والإجتماعي ، فهداه بحثه إلي كتاب “كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس” للكاتب الشهير ديل كارنيجي وقد وجد صديقي في الكتاب ضالته المنشودة فإشتراه وحرص علي قرائته قراءة متأنية، حتي حانت إحدي الفرص، فإقترب صديقي من مديره شيئأً فشيئأ ودنا منه بهدوء وحذر، وتصنع الإعجاب بإنجازاته وأسلوب إدراته للأزمات، ثم سأله عن ما أعده لمواجهة الأزمة وعما يدخره في جعبته من خطط وبرامج، وحاول أن يشجعه علي الحديث ، حتي إطمأن مديره وبدأ في الحديث شيئأ فشيئأ عن الشركة وأحوالها، وصديقي ينصت له علي حذر ويحرص علي إظهار ما يرضيه من الإهتمام ويشجعه علي الحديث بالإبتسام. فإنطلق يتحدث عن نفسه وعن سقف كفاءته المرتفع والتي شهد بها القاصي والداني، وعن مواهبه المدفونة، وفضائله الميمونة، والتي صورها كالمارد الذي لو قدر له الخروج والسير لأبهر الإنسان والطير، وأغرق البلاد في الرغد والخير.

ثم إنطلق إلي الخلف سنوات بعيدة وتحدث عن نبوغه المبكر في الطفولة ، وكيف حسبه الجميع طفلاً عبقرياَ ، وكيف تنبأ له مدرسيه في سنواته الدراسية الأولي بالمستقبل الباهر والمقام الزاخر، ثم تمني أن لو أتيحت له الفرصة لحقق الإنجازات ، وتجاوز أقرانه بمسافات، ثم إسترسل في الحديث عن نفسه وكيف كان طفل مميز وغير عادي لم تحمل مثله الأيادي ” الطفل المعجزة “. ولم يجد صديقي بدا من الإستماع إليه بإنصات ودون تدقيق وتجنب الرد عليه والتعليق ، ثم تساءل إذا لم تكن علامات النبوغ المبكر إشاعة فهل إقتصر النبوغ علي مرحلة الطفولة ولماذا لم تظهر أثاره في تقارير الأداء السنوية أو تجلت كراماتها في المؤشرات المالية، لقد أصبح واضحاً أن بعض القيادات ” النوابغ ” تخدعهم الكراسي فيتوهمون أن لولا مواهبهم الفريدة وأفعالهم المجيدة لأصبحت مؤسساتهم علي الحديدة.

ويبدوا أننا قد نحتاج إلي تذكير كل قيادة وكل شخص ” هام ” بأن رؤيته لنبوغه المبكر “شئ ” وما يلمسه الأخرين من هذا النبوغ المتأخر ” شئ أخر ” ، وأن هذا النبوغ إن لم يكن له أثار جيدة محسوسة ونتائج جميلة ملموسة يظل فكرة جميلة مدسوسة وغير مدروسة. ونذكرهم أيضاً بأن النبوغ لا يتوقف علي الإمكانات الذهنية الظاهرة ولا علي الأفكار الجميلة الباهرة ، ولكن التميز في العمل نبوغ ، والأداء الجيد في موقع المسؤولية نبوغ ، ومراعاة الأمانة في العمل نبوغ ، والتواصل الجيد والفعال مع زملاء العمل نبوغ ، وتقوي الله في العمل نبوغ. فالنبوغ ليس حكايات وروايات ، ولا أفكار جميلة وإشاعات. إن النبوغ باقة من القدرات المفيدة النافعة تحركها نوايا جميلة رائعة، في أعماق القلب قابعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *