الرئيسية / عاجل / الجنيه الحائـر والدولار الطائر
د. مصطفى عجمي

الجنيه الحائـر والدولار الطائر

 

أثار قرار البنك المركزي المصري في نوفمبر الماضي بتحرير سعر صرف الجنيه فيما يسمي بالتعويم الكلي للعملة المصرية الكثير من الجدل ما بين مؤيد للقرار ومعارض له ، وبغض النظر عن دوافع حكومة مصر في إتخاذها هذا القرار إلا أن المواطن المصري العادي بالتأكيد كان له رأي أخر. إذ إنقسم الشارع المصري إلي فريقين ، فريق مؤيد لتعويم الجنيه ومتفاءل بالأثار الإقتصادية الإيجابية من التعويم  والتي علي رأسها الحصول علي قرض صندوق النقد الدولي والقضاء علي السوق السوداء للدولار وعدم إستنزاف الإحتياطي النقدي في دعم الجنيه وزيادة القدرة التنافسية للصادرات وتحسين الميزان التجاري ، بينما هناك فريق غير مؤيد لتعويم الجنيه ويري أن أضرار تعويم الجنيه علي حياته اليومية أكبر من فوائده ، وعلي رأسها إنخفاض القوة الشرائية للجنيه المصري وإرتفاع معدلات التضخم والقفزات القياسية للأسعار ، بالإضافة إلي إرتفاع معدل الدين العام.

وأيا كان موقع المواطن في أي من الفريقين فقد تسبب قرار التعويم في خفض دراماتيكي مفاجئ في دخول جميع المواطنين ومدخراتهم ، وأحدث قفزة كبيرة ومؤلمة في أسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها أو التي يعتمد تصنيعها علي خامات مستوردة ، وأصبح المواطن المصري يئن تحت ضغوط إنخفاض القوة الشرائية للجنيه المصري ، وأصبح لزاماً عليه تقليص إنفاقه وإعادة ترتيب القوائم البيضاء لأولوياته والقوائم الصفراء لإحتياجاته. ومما لاشك فيه أن تقصير الدولة في توضيح الصورة الكاملة لأسباب تعويم الجنيه المصري للمواطن قد ساهم بصورة كبيرة في عدم وضوح الرؤية وعدم فهم المواطن لقرار التعويم علي النحو الأمثل وأدي إلي خلق موجات تصاعدية للأسعار وزيادة التضخم إلي نسب غير مسبوقة ، وساهم إلي حد كبير في تجاوب الأسواق سلباً مع قرار التعويم.

وما بين نوافذ التفاؤل وأسوار التشاؤم فإن هناك العديد من المخاوف بشأن عدم تحقيق قرار تعويم الجنيه المصري  الأهداف المرجوة منه وعلي رأسها تحسين الأحوال الإقتصادية والقضاء علي السوق السوداء للدولار ، ومخاوف أخري عن قدرة الإقتصاد المصري علي دعم الجنيه أمام الدولار علي النحو الذي يصب في صالح المواطن ويرفع ولو بعض الضغوط عن الجنيه . وعلي الرغم من التصريحات الحكومية البراقة التي تبشر المواطن بمستقبل أفضل للجنيه المصري ، لايزال الجنيه عاجزا عن الصمود والتماسك أمام الدولار الذي يحقق كل يوم إرتفاعات قياسية أمامه ، ولازال الفارق كبيراً بين ما يتوقعه المواطن وما يفرضه الأداء الإقتصادي الفعلي من حقائق علي أرض الواقع.

وأمام العجز الكبير في ميزان المدفوعات الناتج عن إنخفاض الناتج القومي والتراجع الشديد للصادرات أمام الواردات ما أدي إلي زيادة الدين العام وما تلاه من أحداث إقتصادية متلاحقة ، فإن الواقع يؤكد أن أجنحة الإقتصاد المصري لازالت ضعيفة وعضلات إيراداته لازالت رهيفة ودفاعاته ضد الصدمات لازالت خفيفة. وفي نهاية المطاف فإن الأزمة الإقتصادية لازالت تقذف مرمي المواطن بكرات سديدة وتهز شباكه بأعباء جديدة وأسعار بعيدة وصدمات شديدة.

ولا ننكر أن هناك فجوة كبيرة بين الأداء الإقتصادي الذي يرجوه المواطن ويرضيه وما ترصده الأرقام وتحصيه، و أن هناك مسافة بعيدة تفصل بين الواقع الإقتصادي الحالي غير المقبول والواقع البعيد المأمول. ولازال للحديث بين المواطن والإقتصاد شجون ، ولازال الإقتصاد يبحث عن هوية ، والجنيه المصري يبحث عن قيمة عادلة سوية. وفي النهاية يظل الدولار هو صاحب الكلمة العليا أمام الجنيه المصري تاركاً الشارع المصري منقسم ، والمواطن المصري منفصم ، وموقف الجنيه غير منحسم ، ونظل لا نملك أمام هذا المشهد الإقتصادي إلا أن نتمني عودة موفقة وسريعة لإقتصاد مصر ، وإقلاعاً آمناً للجنيه المصري ، وهبوطاً سالماً للدولار ، ولازلنا ننتظر واقع أفضل وصورة أجمل وحقيقة أقرب لإقتصاد مصر كما يجب أن يكون.

 

د. مصطفى محمد عجمي

fincorner@gmail.com

شاهد أيضاً

%d8%af-%d8%b3%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a

“الساري” التابعة لمجموعة السلام تفوز بمناقصة قيمتها 1.5 مليون دينار

  ذكرت شركة مجموعة السلام القابضة ، أن إحدى شركاتها التابعة، وهى  شركة الساري الوطنية ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *